التوحيد والتأليه
إن مستويات الوعي الثلاثة في التقاليد المصرية الباطنية هي كالآتي:
- مرحلة تطهير الجسد والروح.
- اكتساب المعرفة من خلال التفكّر والحدس (الوحي) بغرض تجميع أجزاء السر الكوني، مع الاحتفاظ بالخطوط الفاصلة بين هذه الأجزاء واضحة.
- التلاشي في الجوهر الإلهي من خلال توقف التفكير الواعي، وهذا يتم حينما تكتمل صورة السر ويتم إدراكه، ولا يعود السالك يرى الفواصل بين أجزائه.
لا يُبلَغ المستوى الثالث والأخير من الوعي إلا عندما يرى السالك الروحي التعدد في الكون كوحدة واحدة لا يمكن فصلها عن وحدتها، بعبارة أخرى عندما يرى السالك الروحي الصورة الكاملة للكون دون أي فواصل أو فروق تفصل بين أجزائه. تُبلغ هذه الحالة عندما يتمكن السالك من تحقيق الانسجام بين جميع الثنائيات، ولا يرى أي تمييز بين الأنماط والصفات والعلاقات والجوانب المتعددة؛ فهي جميعًا تندمج في وعيه. ونتيجة لذلك يندمج السالك في الجوهر الإلهي، وفي غمرة الوحدة لا يدرك أشكال الوجود الظاهري، وهكذا يكون السالك الباطني الناجح قد حقق وحدة داخلية حقيقية وكمالًا.
وفي هذه المرحلة يكون السالك الباطني قد حقق الهدف الأسمى للروحانيين المصريين والذي يُوصف بالزواج الداخلي بين الذات والروح، وبلغة المصريين القدماء هو الزواج الداخلي بين "البا" (الروح) و"الكا" (الذات).
يُترجم "البا" عادةً إلى "الروح" وهو الجوهر الإلهي الخالد، وعندما يرحل "البا" يموت الجسد. يُصوَّر البا عادةً على هيئة طائر اللقلق برأس بشري، وهو عكس التصوير المعتاد للنترو كأجساد بشرية برؤوس حيوانية والتي تعكس الجانب الإلهي لما هو أرضي.
"الكا" هو الكيان الروحي الذي يُترجم عادة على أنه "الشخصية"، "الكا" لا يموت بموت الجسد الفاني بل يُصوَّر على هيئة ذراعين ممدودتين نحو السماء متلهفتين للاتحاد مع البا.
في علاقات الحب يُشبه الاتحاد الداخلي بين "البا" و"الكا" حالة اتحاد الحبيب مع محبوبه ومع الحب ليصبحوا جميعًا واحد في بحر الحب. إنه الثالوث المتحد في واحد - مثلث الحب. هذه الحالة من وحدة الحب يتم التعبير عنها بالمصطلح المصري القديم "مير" الذي يعني البحر والحب معًا. يصبح السالك الباطني الناجح "مير" أي البحر المقدس المحبوب.
عندما يندمج السالك في الجوهر الإلهي يصبح هو الشخص الكامل أو المساعد الكوني الذي يلجأ إليه الجميع طلبًا للعون. تنجذب إليه كل مكونات الوجود كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس، ولذلك يُسمى السالك الروحاني "قطبًا" مثل القطب المغناطيسي، ويخضع عالم الحواس لقوته ويفعل ما يشاء بسلطانه.
إن توحيد الباء (الروح) والكا (الذات) واندماجهما في رع المقدس (الخالق) ينتج ثالوثًا قويًا يُعرف باسم با-را-كا، وهي خاصية قابلة للتحوّل لأن تكون نعيمًا شخصيًا وقوة روحية (تكاد تكون مادية أيضًا) وهي تُمكّن صاحبها من أداء أعمال خارقة وإظهار بصيرة إنسانية نموذجية، والتأثير على الأحداث المستقبلية والتنبؤ بها. يُطلق على تجلّي هذه القوة الخارقة اسم كارا ماعت/كارا مات (أو كاراما)، وهو مصطلح مصري قديم يعني الآتي:
- كا = الشخصية المغناطيسية للبير Pir/مير Mir
- رع = الخالق (اسمه السري آمون)
- ماعت/ما = نترت التوازن/الانسجام.