نظام تدوين النغمات (الكتابة الموسيقية) المصري الشامل
1. تفوّق المصريون القدماء في تدوين النغمات
كان المصريون القدماء شعبًا شديد الدقة، لقد قاموا بتوثيق جميع جوانب حضارتهم كتابةً، فليس من الغريب أن يكونوا دوّنوا النغمات الموسيقية كما دوّنوا الأصوات المنطوقة (اللغة). فبالنسبة للمصريين القدماء الموسيقى واللغة تعتبران وجهان لعملة واحدة.
أقرّ أفلاطون بأن المصريين القدماء دوّنوا ألحانهم الموسيقية في كتابه تحت عنوان "القوانين" كما يلي:
... أوضاع وألحان متناغمة بشكل جميل، وُصِفَت بالتفصيل ونُقِشَت في المعابد...
في الموسيقى المصاحبة للغناء تُكتب كل نغمة موسيقية مع المقطع اللفظي المرادف لها، كما في الأناشيد الواردة في بردية ليدن Leiden J350.
أكد جميع الكتّاب اليونانيين والرومان الأوائل وجود شكلين أساسيين للكتابة المصرية القديمة: التصويرية والأبجدية. وقد تنوعت أنماط الكتابة الأبجدية طبقًا للموضوع والغرض من الكتابة. سنركز هنا على أشكال التدوين المتعلقة بالموسيقى وموضوعات الأداء الصوتي الموسيقي مثل الشعر والإنشاد والغناء وغيرها.
اكتشف فرانسوا جوزيف فيتيس François Joseph Fétis عالم الموسيقى البارز أن جذور رموز التدوين اليوناني تعود إلى الشكل الديموطيقي للكتابة المصرية القديمة.
يذكر فيتيس في كتابه باللغة الفرنسية "تراجم الموسيقيين العالميين وقائمة المراجع العامة للموسيقى Biographie Universelle des Musiciens et Bibliographie Générale de la Musique" (بروكسل، 1837، المجلد الأول، ص. lxxi):
ليس لدي أدنى شك في أن التدوين الموسيقي (المستخدم في الموسيقى الكنسية لدى الإغريق المعاصرين) يعود إلى مصر القديمة، ويدعم رأيي هذا التشابه بين رموز هذا التدوين (والمنسوب بشكل خاطئ إلى القديس يوحنا الدمشقي St. John of Damascus) وبين رموز اللغة العامية أو الشائعة للمصريين القدماء.
استمر فيتيس في الإشارة إلى التشابه الموجود بين الرموز العديدة المعتمدة من قبل الإغريق لتحديد المدة الزمنية للنغمات الموسيقية وبين بعض رموز اللغة الديموطيقية المصرية في تحليل مفصل ومطول، وقد استنتج فيتيس الآتي:
بعد التحليل المُفصّل لنظام التدوين الموسيقي المُستخدم في موسيقى الكنيسة اليونانية، وبعد مُقارنة رموزه برموز اللغة الديموطيقية المُستخدمة عند المصريين، هل يُمكننا أن نشكّ للحظة في أن ابتكار هذا التدوين يُنسب إلى ذلك الشعب القديم (المصريين) وليس إلى القديس يوحنا الدمشقي؟
يُثبت تحليل فيتيس المُفصّل واستنتاجه دون أدنى شك أن اليونانيين اقتبسوا رموز التدوين الموسيقي من الرموز الديموطيقية المصرية.
وقد أشار عالم موسيقى آخر يدعى تشارلز بيرني Charles Burney إلى أن مراجعة التدوينات المُتاحة أظهرت أن القدماء استخدموا أكثر من 120 رمزًا مُختلفًا للصوت فقط. وعند الأخذ في الاعتبار تغيرات الإيقاع (أو السرعة) المرتبطة بالأنماط وأنواع الموسيقى المختلفة تتضاعف الرموز الصوتية إلى أكثر من 1620 رمزًا. وصف بيرني هذا العدد الهائل بأنه يتألف في معظمه من خطوط ومنحنيات وعلامات بزوايا قائمة وحادة، بالإضافة إلى أشكال بسيطة أخرى توضع في أماكن مختلفة؛ وهذا شكّل ما أسماه "أبجدية أجنبية مشوهة" وهي في الواقع رموز ديموطيقية مصرية قديمة كما أشار فيتيس.
على عكس نظام التدوين الموسيقي الغربي الحالي الذي يتألف من رموز مجردة معقدة يجب حفظها دون تفكير كان نظام التدوين الموسيقي المصري القديم أسهل في التعلم والمتابعة لأنه كان متوافقًا مع لغتهم.
2. مكونات الكتابة الأساسية للنصوص الموسيقية والغنائية
كان لدى المصريين القدماء تدوينات كاملة وشاملة للكتابة والغناء والعزف على الآلات الموسيقية. يتألف شكل الكتابة من عنصر واحد أو أكثر من العناصر الأربعة التالية:
- أشكال الحروف كأصوات أساسية للنغمات الموسيقية.
- ترتبط بالحروف مجموعة من الرموز وظيفتها هي تعديل أو تنظيم القِيَم الصوتية الفردية. يتألف هذا النظام من مجموعة متنوعة من النقاط والشرطات...الخ من العلامات التي تُكتَب أعلى وأسفل بطرق لا تُؤثر على تباعد السطر.
هذه الرموز تصف خصائص موسيقية مثل طبقة النغمة وطولها وقوتها والتي تؤثر على المقاطع أو الكلمات أو العبارات: أي عناصر مثل شدة الصوت ودرجته وبداية صدور الكلام، بالإضافة إلى الإيقاع وتنغيم الصوت - في الأساس هي علامات التفاعل والسرعة.
يرد في البرديات أيضًا إلى جانب الرموز الصوتية ورموز الآلة الموسيقية علامات الرفع والخفض وعلامات الفواصل.
- واستُخدمت رموز أخرى للتعبير عن اللحن والإيقاع - وهي عبارة عن مقاطع مختصرة لتحديد اللحن، وطبيعة ومدة النغمات/الأصوات، والأنماط، وحجم النغمات، نغمات مختصرة وعلامات عالمية مثل الأسهم وغيرها - وكل ما يجعل الموسيقى موسيقية.
- كما استُخدمت رموز خاصة للسمات فوق المقاطع مثل النقاط (مفردة ومزدوجة مثل النقطتين الرأسيتين المستخدمتين اليوم وكذلك الثلاث نقاط)، والفراغات، والشرطات، والخطوط العمودية (المفردة والمتعددة)، والفواصل... الخ. كذلك استُخدمت كلمات/مقاطع مختصرة للتعبير عن حالات محددة.
3. الحروف الأبجدية كنغمات موسيقية مكتوبة
كانت الكتابة للآلات الموسيقية تُشير إلى: 1) موسيقى مصاحبة لمقاطع غنائية إلى جانب التناوب مع الغناء، أو 2) موسيقى بدون غناء.
١) موسيقى مصاحبة للغناء:
لتقليل اللبس بين مقاطع الكلمات والموسيقى المصاحبة تُكتَب الرموز الموسيقية على شكل حروف أبجدية في أوضاع مختلفة - محرَّفة، عليها خطوط، مطولة، مضاعفة... إلخ.
فمثلًا الدرجتان أو النغمتان الثانية والخامسة من السلم الموسيقي: B وH (E) مُنِحا كل منهما رمزين. أما باقي نغمات السلم الموسيقي فلها ثلاثة رموز أو بالأحرى حرف مكتوب في ثلاثة أوضاع: مستقيم، ومائل، ومعكوس.
تشير الرموز المستقيمة إلى النغمات الطبيعية الدياتونية في السلم الموسيقي (المقابلة للمفاتيح البيضاء)، بينما تشير الرموز المائلة والمعكوسة إلى الحدة التي تمثل فواصل أصغر مثل نغمات الـ1/4 و1/3 و3/8 (نغمات مزدوجة).
إن الرموز الموسيقية التي عليها خطوط تعمل مقترنة بالمقاطع المكتوبة. تظهر بعض النغمات أحيانًا مع خط فاصل فوقها أو خلالها للدلالة على جزء من النغمة الطبيعية. والرموز التي عليها خطوط تظهر فوق المقاطع القصيرة في عدة مواضع، وكذلك فوق العنصر الثاني من حرف العلة الطويل المُقَسَّم. يشير الخط إلى غناء النغمة نفسها ولكن بطريقة مختلفة أو مع اختلاف في المصاحبة الموسيقية.
٢) الموسيقى المنفردة:
النغمات الفردية يُشار إليها بأحرف أبجدية، فكل درجة من درجات السلم الموسيقي تُمثل بحرف أبجدي يُستخدم حصريًا للآلات الموسيقية.
استُخدمت الأحرف للدلالة على النغمات الطبيعية السبع للسلم الموسيقي الدياتوني، وكل نغمة من النغمات السبع الأصلية تتبعها نغمتان إضافيتان للمقاطع الأقصر مثل 1/4 و1/3 و3/8 كنغمات متناسقة.