انتشار الديانة المصرية
انتقل مفهوم النترو المصري القديم إلى أنحاء دول حوض البحر الأبيض المتوسط بل وامتد إلى أبعد من ذلك، فنجد النترو مصورين في النقوش الحجرية والعملات المعدنية وغيرها من الآثار في اليونان في كل من ثيساليا Thessaly وإبيروس Epirus وميجارا Megara وكورنث Corinth وأرغوس Argos وكذلك في مالطا والعديد من الدول الأخرى. ذكر هيرودوت في كتابه "التاريخ"، المجلد الثاني:
"أن أسماء جميع الآلهة تقريبًا جاءت إلى اليونان من مصر".
الأمر يُصبح منطقيًا إذا عرفنا عن موضوع استبدال الحروف (التغير الصوتي) وأنه ظاهرة شائعة عالميًا، فمنذ بدايات علم اللغة المقارن لُوحظ أن الأصوات في اللغات المتشابهة تتطابق بطرق منهجية واضحة. ومن أمثلة ظاهرة التغير الصوتي أنه يمكن التعرف على اسم الشخص بأصوات مختلفة تمامًا مثل: سانتياغو وسان دييغو وسان يعقوب وسانت جيمس. وكذلك يعقوب وجاك وجيمس يمثلون اسمًا واحدًا.
تجدر الإشارة هنا إلى أن ما نعتبره عادةً أسماءً للنترو هو في الواقع صفاتها، والأسماء الحقيقية للنترو سرية غير معلنة، فالاسم الحقيقي مُفعم بالقوى والخصائص السحرية، ومعرفته أو نطقه يُعدّ تطبيقًا للسلطة على النترو. ولحماية القوة الكونية للنترو استخدم المصريون القدماء (ثم لاحقًا في دول حوض البحر الأبيض المتوسط وخارجه) أسماءً ذات دلالات دينية. فكلمة "بعل" تعني سيد أو حاكم؛ فحين نسمع عن "بعل" أو "بعلت" (سيدة) مدينة معينة فهذا يعني سيد أو سيدة المدينة. كما يُطلق على النترو اسم "ملك" أو "أدون" والتي تعني سيد أو رب. أما "ملقارت Melqart" فتعني "ملك المدينة"، وهناك أسماء أخرى تعني "مُفضَّلة لدى النترو" أو "ممنوحة من النترو" وتم ترجمتها إلى اللاتينية كالآتي: محظوظ، موهوب، متنازل عنه... إلخ.
تأكيدًا لرواية هيرودوت عن استعارة اليونانيين للنترو المصري وُجِدت أدلة أثرية في القرن الرابع ق. م. تدل على أن أثينا كانت مركزًا رئيسيًا للديانة المصرية، وأن معابد إيزيس العامة والخاصة شُيّدت في أنحاء كثيرة من اليونان في تلك الحقبة.
وفي ماجنا غراسيا Magna Graecia تُشير الآثار المكتشفة في كاتانيا بصقلية إلى أن هذه المدينة كانت مركزًا لعبادة النترو المصري، كما وُجِدَ في جنوب إيطاليا عدة معابد لإيزيس وبقايا لتماثيل وغير ذلك مما عُثر عليه في ريدجو Reggio وبوتيولي Puteoli وبومبي Pompeii وهيركولانيوم Herculaneum، وهذا يدل على أن عبادة النترو المصرية كانت شائعة آنذاك.
وانتقلت الممارسات الدينية المصرية القديمة إلى اليونان كما أكد المؤرخ اليوناني هيرودوت في كتابه "التاريخ" في المجلد الثاني:
"المصريون هم من ابتدعوا وعلموا اليونانيين التجمعات الاحتفالية والمواكب والقرابين الاحتفالية: هذه حقيقة يسهل استنتاجها بسبب قدم الاحتفالات في مصر مقارنةً باليونان التي لم تعرفها إلا حديثًا نسبيًا. كان المصريون يجتمعون في مجالس مهيبة ليس مرة واحدة في العام فحسب بل في مناسبات عديدة".
يذكر بلوتارخ Plutarch تأكيدًا لقول هيرودوت في كتابه "الأخلاق، إيزيس وأوزيريس" الآتي:
"يمارس اليونانيون العديد من الطقوس المشابهة للطقوس المصرية في معابد إيزيس ويؤدونها في نفس الوقت تقريبًا".
وفي روما في القرن الأول ق. م. كانت إيزيس تُعتبر النترو الرئيسي للمدينة، وشُيّدت مبانٍ ومعابد عظيمة زُيّنت بالتحف المصرية والمسلات والمذابح والتماثيل تكريمًا لها، كلها جُلبت من مصر لجعل معابد أوسيت (إيزيس) تُشبه المعابد في موطنها الأصلي. وكانت الكاهنات اللاتي كن خبيرات في معرفة أسرار أوسيت يسكنّ في هذه المعابد أو بالقرب منها وساعدن في أداء الطقوس والاحتفالات التي شاركت فيها أعداد كبيرة من الناس. وانتقالًا من روما انتشر تبجيل أوسيت بشكل تلقائي إلى الأقاليم المجاورة والأبعد منها.
تُمثّل إيزيس القوة لخلق جميع الكائنات الحية في علم الكونيات المصري القديم، ولذلك أطلق عليها المصريون القدماء اسم "إيزيس ذات العشرة آلاف اسم/صفة"، وأشار بلوتارخ إلى ذلك في كتابه "الأخلاق" في المجلد الخامس كما يلي:
"إيزيس هي المبدأ الأنثوي للطبيعة، وهي تستقبل جميع أنواع التكاثر، لذلك أطلق عليها أفلاطون لقب المرضعة الحنونة والمتقبلة لكل شيء، وأطلق عليها معظم الناس أسماءً لا حصر لها لأنها بفضل قوة المنطق توجه نفسها نحو هذا الشيء أو ذاك وتتقبل جميع أنواع الأشكال والهيئات".
انتشرت أسماء إيزيس الكثيرة في اليونان وإيطاليا وغيرهما. وربط اليونانيون والرومان إيزيس بسيليني Selene وديميتر Demeter وسيريس Ceres والعديد من نترو المحاصيل والحصاد بشكل عام. كما اعتُبرت نترت للأرض فكانت أمًا للخصوبة والوفرة. وأدت بعض صفاتها إلى أن تُعرف بالأسماء التالية: أفروديت Aphrodite وجونو Juno ونيميسيس Nemesis وفورتونا Fortuna وبانثيا Panthea.
لقد حققت الممارسات الدينية المصرية القديمة المرتبطة بإيزيس وأوزيريس انتشارًا ملحوظًا في إيطاليا. ففي كامبانيا Campania عُثر على نقش يعود تاريخه إلى عام 105 ق. م. في معبد للنترو المصري القديم سرابيس (سار-أبيس) في بوتيولي Puteoli، هذا النقش يدل على أن المعبد كان موجودًا قبل ذلك التاريخ. وفي حوالي عام 80 ق. م. - في عهد سولا Sulla - تأسست كلية خدام إيزيس (أو باستوفوري Pastophori) في روما وشُيّد معبد في المدينة. وفي عام 44 ق. م. بُني معبد آخر في روما لتكريم إيزيس وأوزيريس؛ وبعد بضعة عقود أُدرجت احتفاليتان لهذين النترو المصريين في التقويم الرسمي للمدينة.
بل كان العيد الرئيسي في إيطاليا يتطابق مع العيد المصري القديم لإحياء ذكرى مقتل أوزيريس والعثور على جثته على يد إيزيس، وكما في مصر القديمة كان يتم افتتاح الاحتفال في نوفمبر/تشرين الثاني بترديد أناشيد جنائزية حزينة رثاءً لوفاة أوزيريس والتي كانت بلا شك مستوحاة من الألحان التي كانت تُغنى في مصر في نفس الوقت تقريبًا. في اليوم الثاني من الاحتفال كانت تُعرض مشاهد تُجسد الحزن والقلق الشديدين اللذين انتابا من كانوا يبحثون عن جثمان أوزيريس. وفي اليوم الثالث عثرت إيزيس على جثمان زوجها فعمّت الفرحة أرجاء المعبد، وتحوّل الحزن إلى فرح والدموع إلى ضحك وتجمّع الموسيقيون بآلاتهم المختلفة وعزفوا ورقص الرجال والنساء واحتفل الجميع.
انتشرت الممارسات الدينية المصرية القديمة المرتبطة بقصة إيزيس وأوزيريس في أنحاء جنوب أوروبا وأجزاء كثيرة من شمال إفريقيا، واستمرت كقوة دينية مؤثرة في هذه المناطق حتى نهاية القرن الرابع الميلادي. وبقيت هذه الأفكار والمعتقدات المصرية القديمة في المسيحية حيث انتقلت صفات إيزيس إلى السيدة مريم العذراء "الأم الأبدية" واتخذ الطفل يسوع صفات حورس.
(للمزيد من المعلومات حول الجذور المصرية القديمة للمسيحية اقرأ كتاب "الجذور المصرية القديمة للمسيحية" لمصطفى جاد الله).

كتاب "الحضارة المصرية القديمة كما كُشِفَ عنها"

كتاب "الجذور المصرية القديمة للمسيحية"