المجتمع المادي/الروحاني
١. إيجاد كبار مسئولين سماويين
لم يُميّز المصريون القدماء والناس البلديون بين حالة الوجود الروحانية وبين الوجود المادي في الحياة، فهذا التمييز هو وهمٌ عقلي كما هو مُعترف به الآن في الأوساط العلمية منذ نظرية النسبية لأينشتاين التي أقرّت بأن المادة شكلٌ من أشكال الطاقة.
وكما أن حياتنا لا تنتهي بالموت فإن أجسادنا ليست مُقيّدة بأشكالها المادية الظاهرة، فنحن موجودون على مستوياتٍ مُتعددة في آنٍ واحد، من أدنى المستويات المادية إلى أعلى المستويات الروحية. في الواقع-من وجهة نظرٍ ما-لا فرق بين المادي والروحي، إنما هي تدرجات تقع بين طرفي تكويننا.
تتكون مصفوفة الطاقة الكونية وفقًا للتقالية المصرية من اتحاد تسعة عوالم (سبع سماوات وأرضان) مُتداخلة ومتفاعلة، ولذلك حافظ المصريون القدماء والبلديون على التواصل بين عالمهم الأرضي وأرواح/طاقات العالم الآخر.
وضع المصريون القدماء تمييزين رئيسيين في هيكل البنية الروحانية للسماوات السبع:
- في أعلى النظام السماوي توجد ثلاثة مستويات في المحكمة أو المجلس السماوي وهي غير منخرطة في الأنشطة البشرية على الأرض، تماثل هذه المستويات رؤساء الملائكة ورتب الملائكة الموجودة في أنظمة دينية أخرى.
- حدد المصريون القدماء أربع مجموعات أدنى في تسلسل الهيكل السماوي تضمّ أولئك الذين عاشوا على الأرض لفترة من الزمن وبعد رحيلهم عنها استمروا في الانخراط في الأنشطة البشرية على الأرض. تتطابق هذه المستويات مع تلك الموجودة في بعض الأنظمة المسيحية الشرقية كالأنبياء والرسل والشهداء والعديد من القديسين العظام.
في جميع فترات التاريخ المصري عُرفت فئة من الكائنات بعضها ذكور وبعضها إناث، كان لهذه الكائنات أشكالٌ وهيئاتٌ عديدة، ظهرت في العالم المادي على هيئة رجالٍ ونساءٍ وحيواناتٍ وطيورٍ وزواحفٍ وأشجارٍ ونباتاتٍ وما إلى ذلك ولكنها أقوى وأذكى من البشر وتمتلك مشاعرَ كالبشر، وقد نُسبت إليها بعضُ القوى أو الصفاتِ الإلهية رغم أنها كانت تُصابُ بالمرض وتموت.
يتحدث المصريون عن موتاهم وكأنهم أحياء مما يدل على مدى رسوخ الاعتقاد بأن أرواح الموتى تعود إلى مقابرها/أضرحتها في الأيام المحددة للزيارات الأسبوعية والسنوية.
٢. المعاونون السماويون
سنسلط الضوء هنا على أكثر المعاونين السماويين شيوعًا، وهم:
العائلة والأقارب المقربون
كان التواصل الأكثر شيوعًا ولا يزال هو بين الإنسان وأرواح أسلافه الذين يخدمون احتياجات أفراد العائلة.
رعاة المجتمع – (الرعاة من الأسلاف المحليون/الإقليميون)
تعتبر أرواح الموتى رعاة للمجتمع (نترو محلي) مسئولون عن مناطق واسعة، وتلبي تطلعات أحفادهم في المجتمع ككل. هم يتصرفون كبشر متطورون فيشاركونهم نفس المشاعر والاحتياجات وهم يتمتعون بقوة روحانية في نفس الوقت. وتعتبر المدينة هي "بيت" الراعي حيث توجد لهم أضرحة وأشياء مقدسة وتماثيل، وقد يظهرون في صورة حجارة أو أشجار أو حيوانات أو بشر.
ويمكن تصور أن راعي مدينة عظيمة وقوية يكون مسئولًا عن رعاية مجتمعه سياسيًا أو زراعيًا في منطقة واسعة، والقوة التي يبلغها الراعي هي التي تزيد مساحة من نفوذه ويجعل ذلك منه راعي عظيم مسئول عن إقليم شاسع.
بعض الأضرحة تشير إلى أصحابها كرعاة محليون، وكثيرٌ منهم تمت تسميتهم بأسماء المدن مثل "روح أمبوس" و"روح إدفو" و"روح باست"، وهم في الحقيقة رعاة لهذه المدن. يظهر الكثير منهم لأتباعهم في صورة شيءٍ ما كانوا يسكنونه. اعتقد المصريون القدماء أن كل مكانٍ تسكنه أرواحٌ كثيرة وأن الأرواح الأدنى تخضع لروح تحكمها.
تتم زيارة راعي القرية أسبوعيًا كل خميس أو جمعة هذا غير الاحتفالات الموسمية والسنوية.
الأولياء الشعبيون
الأولياء الشعبيون هم الأشخاص الذين نجحوا في سلك الطريق الروحي ووصلوا إلى الاتحاد مع النترو مما يُمكّنهم من القيام بأعمالٍ خارقةٍ للطبيعة والتأثير والتنبؤ بالأحداث المستقبلية وما إلى ذلك، ويصبحون وسطاء بين الكائنات الأرضية والعوالم السماوية الروحانية.
بعد وفاتهم وتركهم للحياة الدنيا يُعتقد أن قوتهم الروحية/بركتهم تزداد وتستقر في أشخاص يختاروهم وكذلك في أماكن ارتبطت بهم. يختار الولي مكان ضريحه وينقله إلى عائلته وأصدقائه في المنام (وربما في اليقظة أيضًا)، فيُخصص له ضريح (أو أكثر - عادةً أكثر من اثنين). هذه الأضرحة في أغلب الحالات ليست مقابر لهم، وتنتشر في أرجاء مصر منذ أقدم العصور المعروفة.
كان المصريون القدماء والبلديون على تواصل دائم مع الأولياء، وكانوا يزورون الأولياء بانتظام في أضرحتهم قادمين من المدن المجاورة، وتُعدّ زيارتهم واجبًا اجتماعيًا لا سيما في مناسباتهم السنوية.
إضافةً إلى الزيارات قد يطلب الناس من الأولياء مطالب شخصية ويتعهدون في حالة حلّ الولي للمشكلة أن يتبرعوا بنذر بعض الأشياء للجمعيات الخيرية.
على عكس القديسين المسيحيين يُختار الأولياء من قِبل عامة الناس بناءً على أعمالهم. فإذا رأى الناس أن شخص ما يمتلك بالفعل القدرة على التأثير في القوى الميتافيزيقية لمساعدة الناس على الأرض وتحقيق أمانيهم فإنهم يعترفون به وليًا.
يطلق الكتّاب الغربيون خطأً على الأولياء الشعبيين اسم "الآلهة الثانوية".
(للمزيد من المعلومات حول الأولياء الشعبيين والمهرجانات وغيرهايُرجى قراءة كتاب "المتصوفون المصريون: الباحثون عن الطريق" لمصطفى جاد الله.)
٣. التحرر المنظم للجسد الميتافيزيقي (طقوس الدفن)
تعكس طقوس الدفن في أي مجتمع الاعتقاد بأن جوهرًا ما يبقى بعد موت جسد الإنسان، وتؤثر طريقة الدفن على الوجود في عالم الروح. من هنا نشأت الأهمية البالغة لمراسم الدفن والقرابين التي تدعم انبثاق الجسد الروحي من الجسد المادي واستمرار "الكا" في الوجود بعد موت الجسد الذي كانت تنتمي إليه. تُعتبر الطقوس الصحيحة شرطًا أساسيًا لعملية مغادرة هذا العالم بطريقة منظمة إلى عالم آخر وضمان عودة المتوفى وقت الاحتفالات وغيرها.
كان المصريون يؤمنون بالحياة الآخرة، وسنحاول استكشاف هذا من خلال كتاباتهم الدينية:
- أيي جزء من كيان الإنسان يبقى بعد موت جسده؟
- ما هي الهيئة التي عاش عليها؟
- وأين سكن؟
باستخدام كلمات مقدسة أو سحرية وطقوس يؤديها الكهنة عند موت الجسد ينبثق منه روح تُسمى ساهو (#8)، تدخل هذه الروح إلى السماء وتعيش مع الأبرار إلى الأبد.
كانت الكا (#6) والبا (#5) وخابيت الظل (#4) يسكنوا في القبر مع الجسد ويتجولوا خارجه بعيدًا متى شاءوا. وجودهم محدود أو تقريبًا ينتهي إذا لم يُقدم لها القرابين الجنائزية. لمزيد من المعلومات حول أدوار وتفاعلات تلك المكونات الميتافيزيقية يُرجى الرجوع إلى مقال "المكونات التسعة للإنسان".
٤. الأشجار الوسيطة - البستان المقدس
تُعد الأشجار جزءًا من الكون الحي، وتستخدم كوسيط ملائم بين أرواح الأحياء والأموات. يُطلق المصريون على البستان المقدس اسم "جينينا/غينيانا"، أي مكان أرواح الأجداد.
وكما أن لتقليد شجرة عيد الميلاد أهمية بالغة حيث تكون وسيطًا بين بابا نويل وأتباعه نجد الأمر نفسه في التقاليد المصرية إذ يجب أن يكون ضريح كل وليٍّ بجوار شجرة. وتُوضع قرابين الطعام والشراب عند شجرة الولي. وتُعدّ نفس هذه الأشجار أماكن للتأمل. وكانت تُقام جميع أنواع الطقوس بجوار الشجرة المقدسة. ترمز الشجرة إلى البعث والعودة إلى الحياة. وفي أسطورة إيزيس/أوزيريس كان أوزيريس يُكرّم من خلال شجرة حية. وإذا كانت شجرة "جين" (شجرة الأجداد) قريبة (شجرة تسكنها روح) كان الناس غالبًا يكتبون ملاحظات ويعلقونها على أغصانها. يستشير الحكماء والحكيمات أرواح الأموات باستمرار، ويقضون معهم عدة أيام بين الحين والآخر في البستان النابض بالحياة.
(لقراءة المزيد عن الأشجار وهندسة الطبيعة يُرجى مراجعة كتابنا "العمارة الميتافيزيقية المصرية القديمة" لمصطفى جاد الله.)
٥. عتبة الجدار الغربي
يوجد دائمًا في الجانب الغربي من جميع المعابد والمقابر المصرية شق في الجدار أو ما يُعرف عادةً بالباب الوهمي، وهو فعلًا باب وهمي من الحجر الجيري المتجانس مُزخرفًا برسوم دائرية.
كان الباب الوهمي مُخصصًا للموتى، حيث كان يُعتقد أن الأرواح تدخله وتخرج منه متى شاءت، فهو بمثابة حلقة وصل بين العالمين الإلهي والبشري. يُعتبر مصطلح "الباب الوهمي" تسمية خاطئة، فمن وجهة النظر المصرية كانت تعتبر هذه الشقوق بوابات وظيفية حقيقية، تدخل من خلالها روح المتوفى إلى المقبرة الداخلية وتخرج منها لتلقي القرابين المُقدمة لها. وتُمثل جهة الغرب نقطة دخول روح المتوفى والعتبة بين العالم المادي الأرضي والعالم الروحي، كذلك يُحدد الجدار الغربي نقطة التقاء العامة بالراحلين. وتحتوي أصغر المقابر في مصر الحديثة على باب وهمي أو ثقب/شق في الجدار الغربي يتحدث منه الأحياء إلى الموتى.
(للاطلاع على تفاصيل تصميم مواقع الدفن ومواقع الزيارة الأخرى يُرجى قراءة كتاب "العمارة الميتافيزيقية المصرية القديمة" لمصطفى جاد الله.)
٦. المعابد (الأضرحة الكونية)
لم تُبنَ المعابد المصرية للعبادة العامة بل كأضرحة للنيترو الذي يُمثل قوى الإله الواحد المختلفة. يُمثل المعبد المصري حلقة الوصل وإحدى وسائل التواصل بين الكون الكبير (العالم) والكون الصغير (الإنسان). وكان المعبد يعتبر مسرحًا تُعقد عليه لقاءات بين النيترو والملك ممثلًا للشعب. المعبد المصري هو بمثابة أداة للحفاظ على وتنمية الطاقة الإلهية، وهو المكان الذي تحلّ فيه طاقة النيترو الكونية لتشعّ على الأرض والناس. لم يكن يأتِ النيترو ليسكنوا المعبد المُعدّ لهم إلا بعد أن يتفحّصوه كما ورد بوضوح في هذا النص المصري القديم:
«عندما يرتفع الجعران المجنّح العظيم من المحيط الأصلي ويبحر في السماء متقمصًا هيئة حورس يتوقف في السماء أمام هذا المعبد ويمتلئ قلبه فرحًا وهو ينظر إليه، ثم يتوحد مع صورته في مكانه المُفضّل»
تُغَطى جدران المعبد المصري بصور نابضة بالحياة وكذلك بالهيروغليفية لتسهيل التواصل بين العالم العلوي والسفلي. يساعدنا فهم هذا على اعتبار الفن المصري أمرًا حيويًا نابضًا بالحياة، لذ يجب تجاوز النظر إلى المعبد كمجرد تفاعل بين الأشكال في سياق تاريخي وأثري غامض. بدلًا يجب أن نحاول رؤيته كعلاقة بين التكوين والوظيفة. إنّ القوة المتناغمة لتصاميم المعبد والصور المنقوشة على الجدران وأشكال العبادة كلها تصبّ في نفس الغاية. الهدف ذو بُعد روحي (إذ انطوى على تحريك قوى خارقة) وعملي (لأن النتيجة النهائية المرجوة هي الحفاظ على ازدهار البلاد).
تتحدد طقوس المعبد طبقًا لحركات السماء لتكون متناسقة معها فينتج عن هذا تجليات للقانون الكوني الإلهي. تضمنت طقوس المعبد-من بين أمور أخرى-تقديم القرابين المادية: الخبز والجعة ولفائف الكتان واللحوم والدواجن وغيرها من السلع. كانت طبيعة الأشياء المادية تتحول إلى خصائص روحية عند وضعها على المذابح المقدسة. وتتضح طبيعة القربان المصري من خلال الكلمة الشائعة للقربان: "حتب" والتي تعني هدية السلام أو الكفارة. ويُطلق على اللوح الحجري أو الخشبي الذي وُضعت عليه القرابين اسم "حتب" أيضًا. فكان يُعتقد أن المذبح يمتلك القدرة على تحويل القرابين الموضوعة عليه إلى أغذية روحية لتكون غذاءً مناسبًا للأرواح، فلا يستهلك النترو إلا أرواح الخبز والبيرة والخضراوات واللحوم والزيت، إلخ. (سأحدثكم عن المزيد عن القرابين في مقال آخر.)
(للمزيد من المعلومات حول تصميم وبناء المعابد يُرجى الرجوع إلى كتاب "العمارة الميتافيزيقية المصرية القديمة" لمصطفى جاد الله.)


بحث وكتابة: مصطفى جاد الله