دورة الخماسيات ووحدة قياس الموسيقى المصرية
1. كلمة "بانتا" (الكل) مشتقة من كلمة "بنتي" (خمسة)
عبّر المصريون القدماء عن معارفهم في شتى المجالات بأسلوب سرد قصصي كما شهد جميع المؤرخين اليونانيين والرومان الأوائل. وكانت قصة إيزيس وأوزيريس هي النموذج المصري الذي استُخدم لشرح شتى جوانب المعرفة.
يُمكن وصف دور إيزيس وأوزيريس وعلاقتهما بالفصول الإيقاعية الثلاثة لدى المصريين القدماء بأفضل أسلوب في كتابات ديودور الصقلي Diodorus of Sicily (الكتاب الأول، الفصل 11) كما يلي:
يعتقد المصريون القدماء أن هذين النترو يُنظّمان الكون بأسره ويُغذّيان كل شيء ويُزيدونه من خلال نظام من ثلاث فصول يتم الدورة بحركة غير ملحوظة، هذه الفصول رغم تعارض بعضها لبعض إلا أنها تُكمل الدورة السنوية بتناغم تام.
بالنسبة للمصريين يُنظّم إيزيس وأوزيريس موسيقى الأفلاك، ويتجلى التناغم الكوني من خلال تناغم إيزيس مع أوزيريس الرمزين الكونيين الأصليين للذكورة والأنوثة، والذي أنجب زواجهما السماوي الابن حورس.
كتب بلوتارخ Plutarch في كتابه "الأخلاق" (المجلد الخامس) عن الدلالة العددية للثالوث المصري إيزيس وأوزيريس وحورس موضحًا أن المصريين القدماء ربطوا العدد اثنين بإيزيس وثلاثة بأوزيريس وخمسة بحورس كما يلي:
رقم ثلاثة (أوزيريس) هو أول عدد فردي كامل، وأربعة هو مربع، طول ضلعه الرقم اثنين (إيزيس)، أما خمسة (حورس) فهو يشبه أباه في بعض النواحي ويشبه أمه في نواحٍ أخرى إذ يتكون من ثلاثة واثنين. وكلمة "بانتا" (الكل) مشتقة من "بنتي" (خمسة)، وكانوا يتحدثون عن "العد بالخمسات".
تُشير طريقة كتابة رقم خمسة إلى دلالته ووظيفته في مصر القديمة، كان الرقم يُكتب: اثنين (II) فوق ثلاثة (III)، وأحيانًا على شكل نجمة خماسية. والرقم خمسة أو الابن حورس هو نتيجة العلاقة بين الرقم اثنين (الأم إيزيس) والرقم ثلاثة (الأب أوزوريس).
تتسبب نسبة أو علاقة رقم 2 بالرقم 3 موسيقيًا على الوتر المهتز وعلى لوحة المفاتيح في الاهتزاز الخماسي المثالي، ويمتد عبر خمس مسافات. في آلات الوتر الأحادي ينتج صوت الخماسي عند الضغط على الوتر عند نقطة تقسمه إلى نسبة 2:3.
تُتيح المسافة الخماسية أقوى تناغم ممكن بين أي نغمتين مختلفتين، وهي أول مسافة تناغمية ترتبط بها جميع المسافات التناغمية الأخرى.
أكد بلوتارخ أهمية النغم الخماسي لدى المصريين القدماء في كتابه "الأخلاق" في المجلد الخامس كما يلي:
وكلمة "بانتا" (الكل) مشتقة من "بنتي" (خمسة)، وكانوا يتحدثون عن "العد بالخمسات".
2. تطور التناغم الخماسي
كان المصريون القدماء يعدّون "بالخمسات"، والتعاقب الطبيعي والأكثر قوة من تناغم إلى آخر يكون نتيجة التطور بهذا العد.
إن جميع السلالم الموسيقية تنشأ من تعاقب التناغم الخماسي. إن شكل أو علاقة الانسجام الخماسي الأول هو الذي أُسس بالزواج السماوي بين إيزيس وأوزيريس، وقد أصبحا بدورهما نموذجًا لتشكيل تتابع هندسي من خلال سلسلة من العلاقات المماثلة.
إن النغمات السبع للسلم الموسيقي الدياتوني (دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي) هي نتيجة ثلاث تعاقبات خماسية:
- إذا بدأنا بأي نغمة موسيقية ولتكن C (دو) الوسطى نجد خماسيتيها المقلوبتين: F وG.
- التعاقب الثاني من F وG يُولد خماسيتين مقلوبتين B وD من الخماسيتين الأعلى، وهذا ينتج سلمًا خماسيًا.
- التعاقب الثالث من B وD: بإضافة خماسيتين مقلوبتين E وA نحصل على السلم السباعي.
يتكون السلم الدياتوني من أي سبعة مكونات متوازية لتسلسل هندسي يحكمها على الدوام نسبة 3/2 أو 2/3 - النسبة الخماسية المثالية. فنحصل على النغمات الموسيقية السبع الطبيعية من العملية المستمرة التي تمتد ثلاث مرات لا أكثر.
لتوضيح دورة التتابع الخماسي التي تُشكّل السلم الموسيقي يمكن أن نتخيل أن النغمات (E، B، F، C، G، D، A) مُشكّلة في دائرة، بحيث تكون نغمة C (النغمة الأساسية هنا) هي الأعلى، ونتيجة هذا يكون الرسم الشائع المعروف بدورة/دائرة الخماسيات. من نغمة C (دو) نتقدم ثلاث مرات في كل اتجاه لنصل إلى النغمات السبع للسلم الدياتوني.
يُعدّ تطور التناغم عبر دورة الخماسيات المثالية هو الأكثر طبيعية، وأي تعاقب للتناغم لا يتبع دورة الخماسيات المثالية يتسم بتأخير أو تعطيل للتتابع الطبيعي. ينبثق النظام الموسيقي بأكمله من خماسية واحدة وطبيعي أن تكون بنفس تناسب الخماسية الأولى. لم يتم التلاعب بهذه النسب أو تبديلها بأخرى.
كما ذُكر سابقًا أدرك المصريون القدماء أن الرقم 2 (الذي تُمثله إيزيس) والرقم 3 (الذي يُمثله أوزيريس) يضبطان الكون بأسره بما في ذلك الموسيقى، ويمكن اختزال جميع العلاقات النسبية إلى 3x:2y أو 2x:3y، وفيما يلي ثلاثة أمثلة لتوضيح هذه الحقيقة:
- النغمة المثالية = 8:9 = 23:32، وهي أيضًا نسبة موسيقية مثالية لأنها النسبة بين مقلوبَي 2 و3 إلى مقلوبَي قوتَيهما 3 و2.
- المسافة الموسيقية "الانحسار" تتحدد بعدد الاهتزازات في الثانية: 65536/59049 وهو ما يساوي 216/310.
- المسافة الموسيقية 384 سنتًا (السنت هو وحدة قياس معيارية للفواصل الموسيقية، والأوكتاف يساوي 1200 سنت) حين تقاس بعدد الاهتزازات في الثانية تكون 8192/6561 = 213/38.
إن التدرج الخماسي للوصول للنغمات السبع للسلم الدياتوني الموسيقي يوضح لنا أن الخماسيات المُولَّدة (ذاتية الإنتاج) لا تتوافق أبدًا مع تدرج الأوكتافات.
ولكن لوحة المفاتيح لا تُوضح لنا العلاقة الحقيقية بين التدرج الخماسي والأوكتافات، لذا يجب علينا اتباع مثال الوتر الأحادي الذي يُبيَّن أن الخماسية التامة تُنتَج عند ثلثي طول الوتر، والأوكتاف عند نصف طوله.
التدرج الخماسي التام يعني إيجاد الخماسية التالية عند ثلثي الأصل وثلث الطول... وهكذا. من السهل أن نلاحظ أن أي تدرج في الخماسيات يعني ضرب النسبة 2:3 في نفسها، ولا يمكن لتضاعف العدد 3 أن يتطابق مع تضاعف العدد 2 وهو ما يتطلبه الأوكتاف.
نستمر في التوسع بالخماسيات في كلا الاتجاهين (صعودًا وهبوطًا على السلم الموسيقي). تُنتج عمليات التنقل المتتالية للمقياس الموسيقي العديد من النغمات الحادة والخافتة منظمة بالخماسيات. إن دورة الخماسيات التامة ذاتية التوليد مخططة على طول/محيط الوتر - يُتخيَّل أنها حلقات متكررة على هيئة دائرة.
وتم اكتشاف أنه بعد 53 خماسية طبيعية تتطابق أي خماسية جديدة تلقائيًا مع خماسية سابقة. تُسمى الإضافة بين الخماسيات الطبيعية الـ53 "فاصلة". وبناءً على هذا حدد المصريون نظام النغمات بالرجوع إلى دائرة الخماسيات، استنادًا إلى وحدة القياس المعروفة بالفاصلة وذلك بتقسيم الأوكتاف إلى 53 خطوة متساوية. تبلغ قيمة "الفاصلة" 22.6415 سنتًا.
من الملاحظ أن المؤلفات الأوروبية في العصور الوسطى تشير إلى هذه الفاصلة تحديدًا: 22.6415 سنت باسم "الفاصلة العربية" مع أنه لم يرد ذكرها أو استخدامها في أي وثيقة عربية مكتوبة في العالم العربي باستثناء ما ورد لدى الناطقين بالعربية في مصر، وبالتالي فهي فاصلة مصرية لا محالة.
يتوافق تحليل الآلات الموسيقية المصرية القديمة مع مضاعفات الفاصلة المصرية.
نحن نقيس المسافات بالبوصات والسنتيمترات، ونقيس الأوزان بالباوندات والجرامات والكيلوجرامات. في الموسيقى قرر الغرب في القرن التاسع عشر استخدام وحدات معيارية لقياس المسافات الموسيقية فاختاروا السنت حيث يساوي الأوكتاف 1200 سنت.
استخدم النظام المصري منذ فجر التاريخ الفاصلة الموسيقية التي تعادل 22.6415 سنتًا، وثلثها الذي يساوي 7.55 سنتًا، وأطلق عليها اسم "بوك النونو" (فم الطفل) كما ذكر الكتّاب اليونانيون الأوائل.
وقد ثبت استخدام هذه الزيادات الفريدة للفاصلة المصرية و"بوك النونو" في جميع الآلات الموسيقية المصرية القديمة: في المسافات بين ثقوب آلات النفخ، وفي المسافات بين دساتين الآلات الوترية، وفي نسب أطوال أوتار الهارب.
تتكون كل فاصلة مصرية من ثلاثة أجزاء متساوية أطلق عليها المصريون اسم "بوك النونو" أي فم الطفل، وهذا مصطلح مصري وليس عربيًا (فم الطفل في اللغة العربية هو "فم الرضيع"). تجدر الإشارة إلى أن التقسيم إلى ثلاثة أجزاء يتوافق مع المفهوم الخُماسي بما أن ثلثَي الفاصلة هي الخُماسي الموجود داخلها.
يُعتبر "بوك-نونو" الثلاثة داخل الفاصلة بمثابة الثلاثة في واحد - المفهوم المصري القديم للثالوث.
يرتبط حجم "بوك-نونو" ارتباطًا وثيقًا بالتقويم المصري القديم المُميز كما سنرى في مقال آخر.