ليلة الدمعة
يستحضر المشاركون في العديد من الاحتفالات الدينية المصرية القديمة حقيقةً أساسيةً من وعيهم الكوني ألا وهي "كما في السماء كذلك على الأرض، وكما على الأرض كذلك في السماء"، وفي كل الاحتفالات المقدسة تُجسَّد هذه الدورة النموذجية المقدسة.
بعد صعود أوزيريس إلى السماء بدأت زوجته إيزيس في البكاء، وتُسمى ليلة الحادي عشر من شهر باؤونة المصري القديم (18 يونيو) "ليلة الدمعة" وهي تُحيي ذكرى أول قطرة سقطت في النيل إيذانًا ببدء موسم الفيضان السنوي. يحدد المنجمون اللحظة الدقيقة لسقوط "القطرة" والتي تكون دائمًا في أثناء تلك الليلة التي ذكرناها. يُعرف هذا الاحتفال المصري القديم في شمال القاهرة باسم مولد الإمبابي.
كان هذا الاحتفال القديم يحظى باستقبال حافل من الفلاحين المصريين على طول وادي النيل. يروي لنا ديودور الصقلي Diodorus of Sicily كيف كان الفلاحون ينغمسون في شتى أنواع الأنشطة الترفيهية ويعبرون عن امتنانهم لله على نعمة الفيضان. ووفقًا لهيليودور Heliodorus كان هذا الفيضان أحد أهم أعياد المصريين، وكذلك يؤكد ليبانيوس Libanius أن هذه الطقوس كانت ذات أهمية بالغة لدى المصريين في جميع أنحاء البلاد لدرجة أنهم كانوا يعتقدون أنه إذا لم تُؤدَّ الاحتفالات في موسمها المناسب وبطريقة لائقة من قِبَل الأشخاص المُعيَّنين بهذه المهمة فإن النيل سيمتنع عن الفيضان وإغراق الأرض.
يبدأ النيل في الفيضان تقريبًا مع حلول الانقلاب الصيفي أو بعده بقليل، ثم بعد أسبوعين من أول فيضان (أي في حوالي السابع والعشرين من شهر باؤونة (3 يوليو)) كان يتم الإعلان يوميًا في شوارع المدينة عن زيادة منسوب مياه النيل التدريجية كما ذكر بلوتارخ Plutarch، واستمر المصريون البلديون يفعلون هذا حتى بناء السد العالي في أسوان في ستينيات القرن العشرين.
من أبرز جوانب قصة إيزيس وأوزيريس المصرية القديمة ارتباط هذين الرمزين بموسم الفيضان في مصر. فقد ربط المصريون القدماء بداية الفيضان بإيزيس بعد صعود زوجها/رفيق روحها أوزيريس إلى السماء بعد أربعين يومًا من وفاته حين بدأت في البكاء متوسلةً إليه أن يقوم من بين الأموات. وتم ربط أول دمعة ببداية فيضان النيل. واستمرت إيزيس في البكاء متمنيةً لزوجها أن يقوم.
يكمن جمال هذه القصة في أن إيزيس تتمنى أن ينهض زوجها من بين الموتى فيرتفع/ينهض منسوب مياه النيل، وتجدر الإشارة إلى أن أوزيريس نفسه يرمز إلى مياه النيل.
وقد وصف بلوتارخ هذه العلاقة في كتابه "الأخلاق" في المجلد الأول ما يلي:
"كما يعتبر المصريون نهر النيل فيض أوزيريس كذلك يعتقدون أن الأرض هي جسد إيزيس، ليس كل الأرض بل الجزء الذي يفيض عليه النيل فيخصبه ويتحد به، ومن هذا الاتحاد يولد حورس".