شكل كتابة الأبجدية المصرية
1. قِدَم الأبجدية المصرية
يؤكد معظم الباحثين الغربيين المعاصرين صراحةً وضمنًا أن الأبجدية واللغة المصرية القديمة هي أقدم لغة في العالم. يُقر عالم المصريات الألماني أدولف إرمان Adolf Erman في كتابه "أدب المصريين القدماء" في صفحتي 34-35 بما يلي:
"كان المصريون وحدهم مُهيئين لتبني منهجٍ فريد مكّنهم من الوصول إلى أرقى أشكال الكتابة ألا وهو الأبجدية."
كذلك استنتج عالم المصريات البريطاني، دبليو. إم. فليندرز بيتري W.M. Flinders Petrie في كتابه "تكوين الأبجديات" (The Formation of the Alphabets) في صفحة 3 ما يلي:
"منذ فجر عصور ما قبل التاريخ استُخدم في مصر نظام كتابة متصل يتألف من علامات خطية زاخرة بالتنوع والتميز."
ويقول إسحاق تايلور Isaac Taylor أبرز علماء اللغة في كتابه "تاريخ الأبجديات" (History of the Alphabets) في المجلد الأول صفحة 62:
"إنّ الزمن المبكر للغاية الذي عُثر فيه على رموز ذات طبيعة أبجدية على الآثار المصرية يُعدّ حقيقةً بالغ الأهمية لأنه يُشكّل نقطة انطلاق في تاريخ الأبجدية مُثبتًا صحة القول بأنّ حروف الأبجدية أقدم من الأهرامات، بل ربما أقدم من أيّ أثر آخر قائم للحضارة الإنسانية."
وكتب إسحاق تايلور في كتابه "تاريخ الأبجديات" في المجلد الأول صفحة 64 عن الملك المصري سنت:
"يُرجّح أن الملك سنت الذي كانت الأحرف الأبجدية مستخدمة في عهده عاش بين عامي 4000 و4700 قبل الميلاد. ورغم أن هذه الحسابات تبدو مُذهلة إلا أنه من المُرجّح أن تعود بدايات فن الكتابة في وادي النيل إلى ما بين سبعة وثمانية آلاف سنة من الوقت الحاضر."
من الواضح تمامًا أن اللغة والأبجدية المصرية القديمة كانت الأولى في العالم قبل آلاف السنين من «كتابات سيناء» التي أثارت ضجة دون سبب يستحق.
جمع و.م. فليندرز بيتري وجدوّل أشكال الحروف الأبجدية في كتابه «تكوين الأبجدية»، وامتد ما جمعه من عصور ما قبل التاريخ في مصر إلى العصرين اليوناني والروماني. قام بيتري أيضًا بتجميع (من عدة باحثين مستقلين) أشكال حروف أبجدية متشابهة من 25 موقعًا في آسيا الصغرى واليونان وإيطاليا وإسبانيا ومواقع أخرى في أنحاء أوروبا. جميعها أحدث بكثير من أشكال الحروف الأبجدية المصرية القديمة.
يُوضح جدول بيتري لهذه الأشكال الأبجدية ما يلي:
- كانت جميع أشكال الحروف الأبجدية موجودة في مصر القديمة منذ عصور ما قبل الأسرات (منذ أكثر من 7000 عام) قبل أي مكان آخر في العالم.
- يمكن تمييز أشكال الحروف الأبجدية المصرية بوضوح في أقدم كتابة تم العثور عليها وتُعرف بالكتابة الهيراطيقية المصرية والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 5000 عام.
- تم اعتماد نفس أشكال الحروف الأبجدية المصرية القديمة لاحقًا وانتشرت بين شعوب أخرى في أنحاء العالم.
2. البرديات الأبجدية المصرية المميزة لما قبل الهكسوس
كتب عالم المصريات الألماني البارز أدولف إرمان في كتابه "الحياة في مصر القديمة" في صفحة 339 الآتي:
"في عهد الدولة القديمة (2575-2040 قبل الميلاد) كان قد تم ابتكار خط كتابة متصل خاص للاستخدام اليومي وهو ما يُعرف بالخط الهيراطيقي."
وأشار إسحاق تايلور، في كتابه "تاريخ الأبجدية" في المجلد الأول في صفحتين 94 و95 إلى ثلاث مخطوطات مصرية قديمة مهمة من عهدي الدولة القديمة والوسطى (2575-1783 قبل الميلاد) قبل فترة الهكسوس (حوالي 1600 قبل الميلاد) تميزت بخطوط أبجدية متصلة مميزة للغاية. تتفق البرديات الثلاث فيما بينها بشكل أساسي من حيث الأسلوب العام للكتابة وأشكال الأحرف الأبجدية المكتوبة بخط متصل أنيق.
تُظهر هذه الكتابات الهيراطيقية بوضوح طابعًا كتابيًا متصلًا حقيقيًا: أسود، مستدير، وعريض.
المخطوطات المصرية القديمة الثلاث التي أشار إليها إسحاق تايلور هي:
- مخطوطة مصرية بحوزة البروفيسور ليبسيوس Lepsius تذكر باني الهرم الأكبر في الجيزة خوفو وملوكًا آخرين من السلالات السابقة في منف (2649-2465 قبل الميلاد).
- أفضل نموذج للكتابة الأبجدية المتصلة الأنيقة في تلك الفترة موجود في البردية الشهيرة التي حصل عليها السيد م. بريس دافين M. Prisse d’Avennes من طيبة وأهداها إلى المكتبة الوطنية في باريس. تُعرف هذه المخطوطة باسم "بردية بريس".
- توجد بعض أجزاء من بردية هيراتية في متحف برلين، وهي تعود إلى عهد الملكين المصريين أمنمحات وأوسرتاسن اللذين ينتميان إلى الأسرة الثانية عشرة (1991-1783) التي سبقت غزو الهكسوس.

نسخة طبق الأصل من بردية بريس، حيث تتطابق أشكال الحروف تمامًا مع الحروف في تاريخ مصر القديمة وما يليه.

جزء مكبّر من نفس البردية المصرية القديمة جدًا يُظهر أشكال الحروف الأبجدية المميزة التي ستعتمدها جميع الدول الأخرى كما ستُبين الأدلة لاحقًا.
هناك العديد من الكتابات الأبجدية المبكرة الأخرى، وإليكم بعض الأمثلة:
- رسالة الأرملة: أبجديات واضحة من عصر الدولة القديمة (2575-2040 قبل الميلاد) تتمثل في رسالة أرملة مكتوبة على قماش من الكتان، وهي موجودة في المتحف المصري بالقاهرة JE25975.

- ترانيم سنوسرت الثالث: وهذا هو الجزء الثالث من سلسلة من خمس ترانيم لسنوسرت الثالث، عُثر عليها في مدينة اللاهون. تُظهر ترنيمة سنوسرت الثالث الترتيبَ المقطعيّ، وقد كُتبت في منتصف الأسرة الثانية عشرة (1991-1783 قبل الميلاد).

- مذكرة مشرف المعبد: الكتابة المعروضة هنا عبارة عن مذكرة من مشرف المعبد إلى الكاهن القارئ في معبد نوبكاورا في اللاهون (خلال عهد سنوسرت الثاني: 1897-1878 قبل الميلاد).

3. إخفاء آلاف الكتابات الأبجدية المصرية
إن أكبر عملية تضليل في التاريخ هي إخفاء نظام الكتابة الأبجدية المصرية القديمة، لقد أوهموا الجميع بأن اللغة المصرية القديمة مجرد مجموعة من الرسومات البدائية تُسمى الهيروغليفية، وأخفوا النظام الأبجدي المصري الذي يعتبر أصل جميع لغات العالم.
فيما يلي تظهر محاولات آلان غاردينر Alan Gardiner في كتابه "قواعد اللغة المصرية" في إيجاد تبرير منطقي لإخفاء النظام الأبجدي المصري:
"أدرك علماء المصريات الحاجة العملية إلى اعتماد معيار لتوحيد مختلف الخطوط الهيراطيقية، وبدلاً من اختيار نمط واحد بسيط من الهيراطيقية قرروا تحويل جميع الخطوط الهيراطيقية إلى هيروغليفية".
إن تبرير غاردينر Gardiner لإخفاء الكتابات الهيراطيقية يُؤكد لنا وجود أشكال كتابة متنوعة لأغراض مختلفة. ولم تستخدم الأكاديميات الغربية هذا العذر الواهي مع اللغة اليونانية أو الرومانية أو أي لغة أخرى في العالم! استُخدم هذا العذر الواهي فقط مع الكتابات المصرية القديمة للتضليل وإخفاء نظام الكتابة الأبجدية المصرية.
لا يوجد مرجع واحد - قبل مؤامرة "علماء المصريات الغبريين" في القرنين التاسع عشر والعشرين - يشير إلى وجود علاقة بين الهيروغليفية (الرموز التصويرية) وأشكال الحروف الهيراطيقية/الديموطيقية. بل على العكس أوضحت جميع المراجع عدم وجود أي صلة بينهما.
4. اللغة المصرية ماتت، عاشت "العربية"!
بعد إخفاء نظام الكتابة الأبجدية المصرية القديمة الذي جعل الجميع يعتقدون أن اللغة المصرية القديمة مجرد مجموعة من "الصور البدائية" المسماة بالهيروغليفية كانت ضربتهم الثانية هي إعلان أن اللغة المصرية القديمة ماتت وأنها استُبدلت باللغة "العربية"!
القول بأن المصريين يتحدثون "العربية" محض افتراء وغير منطقي. بل العكس هو الصحيح: لقد "تبنى" العرب اللغة المصرية منذ زمن بعيد وما زالوا يتحدثونها.
كتب عالم المصريات البريطاني آلان غاردينر في كتابه "قواعد اللغة المصرية" في صفحة 3 الآتي:
"إن النظام الصوتي الكامل للغة المصرية القديمة قد وصل إلى مرحلة يُشبه تلك الموجودة في اللغة العبرية أو العربية الحديثة".
اللغة المصرية هي أصل جميع اللغات السامية وقد أثبت جميع الأكاديميين ذلك. وكذلك بالنسبة لباقي أركان اللغة كالنحو والصرف، فهي أيضًا مطابقة تمامًا للغة المصرية القديمة.
ذكر عالم المصريات البريطاني آلان غاردينر في كتابه "قواعد اللغة المصرية" في صفحة 2 ما يلي:
"لا ترتبط اللغة المصرية باللغات السامية فحسب (العبرية، العربية، الآرامية، البابلية، وغيرها)، بل ترتبط أيضًا بلغات شرق أفريقيا (الغالا، الصومالية، وغيرها) واللهجات البربرية في شمال أفريقيا. ويُعدّ ارتباطها بهذه المجموعات الأخيرة المعروفة بالعائلة الحامية موضوعًا شائكًا، إلا أنه يمكن تحديد علاقتها باللغات السامية بدقة. ففي البنية العامة التشابه كبير جدًا؛ إذ تشترك المصرية مع اللغات السامية في السمة الرئيسية المتمثلة في أن جذور كلماتها تتكون من تراكيب من الحروف الساكنة، وعادةً ما يكون عددها ثلاثة، وهي نظريًا ثابتة. يتم إحداث التصريف النحوي والاختلافات الطفيفة في المعنى عن طريق تغيير أوضاع حروف العلة الداخلية على الرغم من أن النهايات الملحقة تستخدم لنفس الغرض."
وتتوافق "اللغة العربية" مع الخصائص اللغوية للغة المصرية القديمة الأقدم بكثير. وتشمل (على سبيل المثال لا الحصر) معجم مصري قديم نموذجي مترابط، القواعد النحوية مثل دلالات الأفعال، وجذورها، وأصولها، وأنواعها، وبنيتها، ونظام تصريفها، بالإضافة إلى علم أصول الكلمات/المعاجم المصرية القديمة، وتكوين الكلمات واشتقاقاتها من جذر ثلاثي الأحرف (الذي يشير إلى مفهوم عام معين) إلى أنماط عديدة من خلال استخدام حروف العلة الوسيطة والبادئات واللواحق والزوائد وما إلى ذلك؛ بالإضافة إلى أنواع وبنية المقاطع، وكذلك ترتيب الكلمات وبناء وأنواع الجمل.

مقتطف من كتاب "كشف أنماط الكتابة العالمية المصرية القديمة" لمصطفى جاد الله