النموذج الأصلي للنظام الموسيقي الكوني

تناغم الأفلاك

استوحى المصريون القدماء ذوو الوعي الكوني موسيقاهم من تناغم حركة الأفلاك في الكون.

لقد أكد الرحالة اليونانيون والرومان الأوائل على إدراك المصريين القدماء للتناغم الموسيقي لحركة الأفلاك في الكون. يقول ديودور الصقلي Diodorus of Sicily في كتابه الأول (الفصل 16-1):

كان تحوت طبقًا لبرديات المصريين القدماء هو أول من لاحظ الترتيب المنظم للنجوم وتناغم الأصوات الموسيقية وطبيعتها.

إن العلاقة الوثيقة بين علم الفلك والموسيقى تُعتبر من الركائز الأساسية في فكر المصريين القدماء، وتتجلى هذه العلاقة في جميع جوانب النظام المصري كما سنرى في مقالات متعددة لاحقة.

تنسب الأوساط الأكاديمية الغربية معرفة علم الفلك إلى اليونانيين إلا أن المؤرخين الأوائل ذكروا خلاف ذلك، فقد أقرّ سترابو Strabo العظيم (64 ق.م. - 25 م) بما يلي:

أن الكهنة المصريين هم الأعلم بعلم السماء، وهم يُفصحون عن بعض تعاليمهم ويُخفون معظمها. وقد كشف المصريون لليونانيين عن أسرار العام الكامل الذي تجاهله اليونانيون كما تجاهلوا أمورًا أخرى كثيرة.

يُنسب علم الفلك "الحديث" إلى يوهانس كيبلر Johannes Kepler (1571-1630 م)، كما يُنسب إليه اكتشاف القوانين الفلكية الثلاث دون أن يوضح أيٌّ من الأكاديميين الغربيين كيف توصّل كيبلر من العدم إلى هذه الاستنتاجات. وقد تفاخر كيبلر في كتاباته في نهاية الكتاب الخامس من سلسلته "تناغم العالم" بأنه أعاد اكتشاف قوانين مصر المفقودة كاتبًا الآتي:

الآن وبعد ثمانية عشر شهرًا على بزوغ الفجر وثلاثة أشهر على بزوغ النهار الحقيقي وبعد أيام قليلة من بدء شروق شمس تلك الدراسة العجيبة لا شيء يمنعني من أن أقر بأنه يسعدني أن أنقاد إلى نوبة الحماس تلك، كما يسعدني أن أسخر من البشر الفانين باعترافي الصريح بأنني استوليت على الأواني الذهبية من المصريين لأستخدمها كوعاء للقرابين الخاصة بالنترو الخاص بي بعيدًا كل البعد عن حدود مصر.

لم يذكر كيبلر المبتهج أنه اكتشف شيئًا بنفسه بل كان الأمر برمته من المصريين القدماء. وقد كتب كليمنت الإسكندري Clement Alexandrinus (200م) 42 مجلدًا معتمدًا من النترو المصري تحوت (تحوتي) في موضوعات مختلفة منهم كتابان عن الموسيقى وأربعة عن علم الفلك: أحدهم يشمل قائمة بالنجوم الثابتة، وآخر يتناول ظواهر الشمس والقمر، واثنان آخران عن شروق النجوم، واحتوى كتاب آخر على علم الكونيات والجغرافيا ومسار الشمس والقمر والكواكب الخمسة.

ارتبط العديد من النترو المصري بالموسيقى، وكانت حتحور هي إحدى أهم النترت التي ترتبط بالموسيقى، وتنتشر معابدها في جميع أنحاء مصر.

كانت حتحور تُعرف باسم "السبع حتحور"، ويُطلق عليها المصريون البلديون المعاصرون اسم "السبع بنات" (أي الفتيات العذارى السبع)، وتحمل الأعمدة السبعة رأس حتحور في معبد فيلة في أسوان.

يُظهر نص دعاء "السبع حتحور" الجميل في معبد دندرة العلاقة الوثيقة بين الموسيقى والكون:

السماء ونجومها يصنعون لك الموسيقى

الشمس والقمر يُمجدونك

النترو تشيد بك

النترو تغني لك.

يتألف نص الأنشودة من سبعة مقاطع تُماثل الأفلاك الميتافيزيقية السبعة، ويتألف كل مقطع من أربعة أسطر تُماثل تناغم الأوتار الأربعة.

تعتبر حتحور هي إحدى أقدم نترت المصريين القدماء، وتشير النصوص المنقوشة في سراديب معبد حتحور في دندرة بوضوح إلى أن المعبد (الذي جُدد خلال العصر البطلمي) بُني استنادًا على رسومات تعود إلى عهد الملك بيبي من الأسرة السادسة (2400 ق. م.)، وأن الرسومات نفسها نُسخت من وثائق تعود إلى ما قبل عصر الأسرات. يقول النص:

إن المؤسسة العريقة في دندرة كانت مذكورة في كتابات أقدم في لفائف جلدية من عهد عبيد حورس (الملوك الذين سبقوا مينا/مينيس) في ممفيس داخل صندوق من عهد سيد الأرضين: بيبي Pepi.

كانت حتحور تُلقب بسيدة الغناء وسيدة الرقص، وتُمثل السبع حتحور ارتباط الموسيقى والرقص بالكواكب السبعة الأقرب إلى الأرض، كما تُصوَّر الراقصات السبع في معبد فيلة في أسوان.

تُصدر الأجسام المهتزة والدوارة (الراقصة) بسرعاتها المختلفة أصواتًا مثلما يصدر اهتزاز الأوتار أصواتًا عند العزف عليها. يعتمد الصوت الناتج عن الوتر - من بين أمور أخرى - على سُمكه/وزنه وسرعة حركته وبُعده عن الأذن البشرية.

وبالمثل فإن الأصوات (درجات الصوت المختلفة) الصادرة عن الكواكب الدوارة هي نتاج أوزانها وسرعاتها ومواقعها النسبية.

والأرض باعتبارها ثابتة وبكونها مركز الكون نستطيع إدراك تأثير تلك الأصوات السماوية على الأرض، أما تأثير الكواكب السبعة علينا نحن سكان الأرض فيكون من الأقرب إلى الأبعد كالتالي: القمر، عطارد، الزهرة، الشمس، المريخ، المشتري، وزحل. تدور بعض هذه الكواكب في مدارات واسعة وبعضها في مدارات أصغر. تلك التي تدور في مدارات صغيرة تدور أسرع من الكواكب التي تدور في مدارات أوسع، فحركتها تكون أكثر بطئًا.

والقمر الأقرب إلى الأرض هو أسرع الأجرام حركةً لذا فهو يُصدر نغمة حادة أو مرتفعة، أما زحل الأعلى في السماء والأبعد عن الأرض فهو يُصدر نغمةً رخيمة أو منخفضة.

إن حركة الكواكب السبعة مجتمعة تصدر لحنًا، بل أن أحجام الكواكب وسرعاتها واتجاهها وحجم مداراتها يصدرون النغمات السبع المعروفة بالسلم الموسيقي: دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي.

ولقد أضاف ديو كاسيوس Dio Cassius في القرن الثاني الميلادي كيف ربط المصريون القدماء بين أيام الأسبوع السبعة ونغمات السلم الموسيقي والكواكب السبعة وذلك في كتابه "التاريخ الروماني" في المجلد السابع والثلاثين (القسمان 18 و19)، وذكر الآتي:

إن علاقة أيام الأسبوع بالكواكب السبعة التي وضعها المصريون القدماء هي أمر شائع تبنته بلدان أخرى حديثًا، ولكن الإغريق القدماء لم يفهمونها على الإطلاق. وبما أنها رائجة الآن بين البشر عمومًا وكذلك بين الرومان - وكانت لدى المصريين تقليدًا متوارثًا - أودّ أن أكتب عنها بإيجاز موضحًا كيف تمت. لقد سمعتُ تفسيرين، هما ليسا صعبَي الفهم وإن كانا يتضمنان بعض النظريات: إذا طبّقتَ "مبدأ الأوتار الرباعية" (الذي يُعتقد أنه أساس الموسيقى) على النجوم التي يُقسّم بها الكون السماوي إلى فترات منتظمة حسب ترتيب دوران كل منها: نبدأ بالمدار الخارجي المُخصّص لزحل ثم نغفل المدارين التاليين، ونسمي المدار الرابع باسم حاكمه، ثم نتجاوز المدارين التاليين لنصل إلى المدار السابع. إذا طبقنا هذه العملية بنفس الطريقة على المدارات والنترو التي تحكمها رابطين كل منها بأيام الأسبوع سنجد أن كل يوم يرتبط بتناغم موسيقي ما مع الترتيب السماوي. أما التفسير الآخر فهو كما يلي: إذا بدأتَ من الساعة الأولى من النهار في عدّ ساعات اليوم والليل مُخصِّصًا الساعة الأولى لزحل والثانية للمشتري والثالثة للمريخ والرابعة للشمس والخامسة للزهرة والسادسة لعطارد والسابعة للقمر وفقًا لترتيب الدورات الذي حدده المصريون القدماء، ثم كررتَ هذه العملية على مدار الأربع والعشرين ساعة ستجد أن الساعة الأولى من اليوم التالي تبدأ مع الشمس، وإذا واصلتَ هذه العملية على مدار الأربع والعشرين ساعة التالية بنفس الطريقة ستكون الساعة الأولى من اليوم الثالث للقمر، وإذا استمريتَ على هذا المنوال حتى نهاية اليوم سيكون لكل يوم الكوكب الذي يناسبه. هذه هو التقليد المصري.

انظر إلى النمط الموسيقي المصري 24×7 كما ورد في بيان ديو كاسيوس أعلاه، حيث يؤكد على الحقائق الرئيسية التالية:

  1. قام المصريون القدماء بتحديد العلاقة بين أيام الأسبوع السبعة وأصوات السلم الموسيقي المتناغمة. وهذه العلاقة جاءت نتيجة للموسيقى السماوية للكواكب السبعة التي تدور في السماء.

    لقد قام المصريون القدماء بربط أيام الأسبوع السبعة بالكواكب السبعة، وهو أمر متوارث بالنسبة لهم.

  2. إن العلاقة بين الكواكب السبعة وأيام الأسبوع كما طبقها المصريون بدأت بكوكب زحل وفقًا لديو كاسيوس.

    البداية كانت بالمدار الخارجي المخصص لزحل، ويرتبط كل من أيام الأسبوع ارتباطًا موسيقيًا بترتيب الكواكب في السماء.

  3. تم تطبيق مبدأ الأوتار الرباعية للنظام الموسيقي المصري القديم على الترتيب المذكور أعلاه للكواكب السبعة. قال ديو كاسيوس:

    "إذا طبقنا مبدأ الأوتار الرباعية الذي يُعتقد أنه يشكل أساس الموسيقى على هذه النجوم....."

الأوتار الرباعية تعني ببساطة أربعة أوتار. التكوين الأساسي للأوتار الرباعية هو الوتر العلوي والسفلي فهذان الوتران يشكلان معًا رباعية تامة. والرباعية التامة هي الصوت الناتج عن النغمة الرابعة لأي وتر، على سبيل المثال إذا بدأنا السلم الموسيقي من دو (C) فالنغمة الرابعة هي فا (F) في السلم الصاعد.

يوضح هذا النموذج الموسيقي كيف تشكل أيام الأسبوع رباعية تامة كالآتي:

  • الأحد - الاثنين: مي، فا، صول، لا (E، F، G، A)
  • الخميس - الجمعة: دو، ري، مي، فا (C، D، E، F)
  1. إن تقسيم اليوم إلى ٢٤ ساعة يعود أيضًا لأصول مصرية، فبتطبيق أول الكواكب زحل على الساعة الأولى من اليوم الأول من الأسبوع، ومع تكرار الترتيب المذكور على كل ساعة تالية بالتناوب سنجد أن الساعة الأولى في اليوم الثاني تقابل الشمس والساعة الأولى في اليوم الثالث تقابل القمر... وهكذا.

    يُوفر تقسيم اليوم إلى 24 ساعة وتقسيم الأسبوع إلى 7 أيام نمطًا متناغمًا مثاليًا بحيث يتزامن ترتيب الساعات (الأيام) مع التوزيع الرباعي بين الأيام المتتالية، أي أنه لا يُمكن إرساء نظام دون الآخر.

  2. ذكر ديو كاسيوس أن اليونانيين والرومان لم يقسّموا اليوم إلى ساعات ولا الشهر إلى أجزاء من سبعة أيام أو أسابيع، كما يشهد أيضًا بأن الشعوب الأخرى اقتبست هذا النظام من المصريين كما يلي:

    "إن تبني البلدان الأخرى لهذا النظام أمر حديث نسبيًا، على أي حال الإغريق القدماء لم يفهمونه على الإطلاق، ولكنه أصبح الآن شائعًا بين البشر عمومًا وكذلك بين الرومان، وبالنسبة للمصريين هو تقليد متوارث".

  3. إن لوحة الموسيقى المصرية (٢٤×٧) ذات المحاور المتوازية توفر نظامًا ذا محاور إحداثية يماثل لعبة الداما المصرية والتي هي أساس لاختيار النغمات والأوضاع الموسيقية المناسبة استنادًا على الخطوط القطرية المائلة التي تبدأ من نقطة محددة. هذا النمط من التفكير يتوافق مع النصوص الفلكية المصرية التي تُعرف بـ"التقاويم القطرية" و"ساعات النجوم القطرية"، بعبارة أخرى يرتبط اختيار النغمات والأوضاع الموسيقية المناسبة ارتباطًا وثيقًا بتناغم الأفلاك.