السمع: الموسيقى/النداء الإلهي
السمع في اللغة المصرية القديمة يعني الاتحاد من خلال الصوت أو الموسيقى. في التقاليد الباطنية المصرية القديمة (المعروفة اليوم باسم الصوفية) يؤمن المصريين بأن هناك موسيقى خاصة هي عبارة عن وسيلة للتواصل أو وسيطًا بين الإنسان والخالق. السمع هو الطريقة المثلى لتحقيق الرغبة في الاتحاد/الفناء مع/في الله. بعبارة أخرى هناك مقطوعات موسيقية معينة وأصوات لكلمات/أسماء تُحدِث حالة من النشوة الروحية. وقد ذكر ذو النون المصري عن السمع ما يلي:
"من يستمع بروحه يسمع النداء أو الموسيقى السماوية".
تجدر الإشارة هنا إلى أهمية مفهوم السمع في آلاف الاحتفاليات المصرية القديمة والمستمرة حتى اليوم والمعروفة باسم "الموالد". (للمزيد من التفاصيل اقرأ الفصل العاشر من كتاب "المتصوفون المصريون: باحثو الطريق" لمصطفى جاد الله).
مصطلح أو كلمة "مسمعات" هي التأليف الموسيقي/الشعري لنوع موسيقى "السماعي". يعود تاريخ المسمعات إلى ما قبل الإسلام في مصر وإسبانيا ومناطق أخرى.
أينما نتوجه في الكتب أو تراجم سير الأندلسيين الوفيرة أو الأدب التاريخي لتلك الفترة نجد أن "الموشح" غائب تمامًا لأنه معروف باسم "المسمعات" ويعود إلى ما قبل الإسلام.
إن أصول الموشحات القديمة كانت تكتب بنفس طريقة الشعر المقطعي المعروف في مصر القديمة باسم "المسمعات"، وهي قصيدة ذات بنية موزونة بسيطة للغاية لها عدة أبيات (عادةً ثلاثة أو أربعة) ولها قافية مشتركة يليها بيت ذو قافية مختلفة، ويكون بناء القصيدة ذات المقاطع الرباعية (المربّع) على النحو التالي: aaaB cccB أو بمقاطع خماسية (مخمّسات) على النحو التالي: aaaaB ، ccccB.
المسمعات أو الموشح هو مجموعة من العبارات الموزونة والمُصاغة في نمط يتألف من مقاطع. السمة البارزة لهذا النوع هي التناوب المنتظم بين عنصرين: أبيات ذات قوافي منفصلة، وأخرى ذات قوافي مشتركة، والوزن الشعري ليس سمة أساسية.
لم يعتبر العرب الموشحات شكلاً أصيلاً من أشكال الشعر، حتى أن معظم الباحثين المعاصرين لا يُدرجون أمثلة لها في المختارات الأدبية، لأن أوزان الموشحات لا تتبع أنماط الوزن (العرض) كما في قصائد العرب. وكان الشعر العربي الكلاسيكي يتسم بالكم والاستمرارية، لذلك من الخطأ اعتبار هذا النوع من الشعر المقطعي "عربياً".
إن مصر هي أول دولة ظهر فيه الموشح، بل أن تاريخ أول دليل على وجود الموشح في مصر أقدم بكثير من التاريخ المفترض. لم يكن أول وأبرز من كتب عن الموشح أندلسيًا، بل مصريًا ويدعى "ابن سناء الملك" وقد عاش في مصر بين عامي ١١٥٥م و١٢١١م وكتب عن شكل كتابة الموشحات. إن نص "ابن سناء الملك" المعروف باسم "دار الطراز" هو نص غير مُشكّل وقد تسبب هذا في إشكالات لمن لم يعتادوا ذلك (الباحثون!) ولذلك فإن كتاباتهم في هذا الموضوع مليئة بالمغالطات.
تقدم النصوص المصرية القديمة عددًا كبيرًا ومتنوعًا من المسمعات/الموشحات في أشكال مختلفة كالتراتيل والصلوات والمدائح والمزامير والأناشيد وغيرها. وبالمثل يستخدم المتصوفة المصريون المعاصرون نفس التراكيب الشعرية والإنشادية القديمة، وهم يحفظون عددًا لا يُحصى من هذه المؤلفات الشعرية والموسيقية عن ظهر قلب.
إن الصلوات الصوفية (الأوردة) عبارة عن سلسلة طويلة مُتقنة الصياغة تتألف من مقاطع شعرية مُنسّقة. يتكون كل مقطع من أجزاء/أقسام مُصممة بعناية ولكل منها ذروتها. تزخر هذه الصلوات بالأمثال المليئة بالحكمة والتأملات الروحية والمبادئ الأخلاقية. مئات من هذه المؤلفات المصرية قديمة جدًا وغير منسوبة إلى مؤلفين مُحددين.
مقتطفات من كتاب "المتصوفون المصريون: باحثو الطريق" الطبعة الثانية، و"الرومانية المصرية: جوهر إسبانيا"، كلاهما من تأليف مصطفى جاد الله.