الديانة الكونية المصرية
أوزيريس
أوزيريس (أوسار، أوساير، أسار)
يمثل أوزيريس الخاصية الدورية للطبيعة التي تتمثل في الخلق المادي للعالم ودوراته: الميلاد والموت.
يرمز أوزيريس إلى الإله في صورة بشرية، ويُصوَّر عادةً على هيئة مومياء بشرية ملتحية ترتدي تاج أبيض ويحمل:
- عصا الراعي (لكونه راعي البشرية).
- المذراة وهي الأداة التي تفصل القمح عن التبن.
- صولجان السيادة.
يُكتب اسم أوزيريس برمز العرش والعين جامعًا بين مفهومي الشرعية والألوهية. رمز إيزيس هو العرش/المقعد، وبهذا هي تمنح زوجها أوزيريس القوة الإلهية للحكم.
لا يقتصر مفهوم الإله في صورة فانية على البشر فقط. يمثل أوزيريس عملية النمو والتطور والخاصية الدورية الكامنة في الكون جزئيًا وشموليًا.
سنتناول هنا ثلاثة موضوعات رئيسية تتعلق بأوزيريس:
١. أوزيريس وعملية الخلق
٢. أوزيريس كـ"أبانا الذي في السماء"
٣. أوزيريس وقصة البعث المصرية
١. أوزيريس وعملية الخلق:
أ. الألوهية الدورية
ب. أوزيريس ورِع/رَع
ج. أوزيريس وإيزيس
د. أوزيريس والقمر
هـ. أوزيريس العمود الفقري للخلق
و. أوزيريس المائي - العناصر الأربعة للخلق
١أ. الألوهية الدورية
الموضوع الرئيسي في النصوص المصرية القديمة هو الطبيعة الدورية للخلق: الميلاد والحياة والموت والبعث.
إن أوضح دورة بالنسبة للبشر هي دورة الشمس، فهي تولد كالجديدة كل صباح تعبر السماء ثم تشيخ وتموت وتجوب العالم السفلي ليلاً في دورة تجدد لتبعث من جديد.
يمثل أوزيريس الخاصية الدورية للطبيعة - الخلق المادي ودوراته: الميلاد والموت.
إن الرقم الكوني الدوري هو سبعة، إن الرقم سبعة يُمثل مجموعة متكاملة - أيام الأسبوع سبعة، ألوان الطيف سبعة، نغمات السلم الموسيقي سبعة... إلخ، وكذلك تتجدد خلايا جسم الإنسان بالكامل كل سبع سنوات.
الكلمة المصرية القديمة للرقم سبعة هي "سبعة"، وهي نفس كلمة "سبع" والتي تعني "أسد".
وأحد ألقاب أوزيريس هو "سبع" وهو نفسه الرقم "سبعة".
اختير برج الأسد للدلالة على الوقت من السنة الذي تذهب فيه الأسود إلى ضفاف الأنهار لتشرب في بداية موسم الأمطار.
لا يقتصر ارتباط أوزيريس بالرقم سبعة والسبع فحسب بل ارتبط أيضًا بمصادر المياه كما سنرى لاحقًا.
ولأن أوزيريس يُمثل قوة البعث الكامنة لبدء دورة جديدة، فقد صوّر المصريون فراش الموت على شكل أسد الذي يعبر أيضًا عن رقم سبعة (أي أوزيريس).
ويُصوّر وجه أوزيريس باللون الأسود حين يمثل حالة الموت.
ويُصوّر بوجه أخضر حين يمثل حالة البعث/التجدد.
١ب. أوزيريس ورع
من الناحية الاشتقاقية تتضح العلاقة بين رع وأوزيريس. فالكلمة المصرية لأوزيريس هي أوس-رع.
كلمة أوس تعني القوة أو الأصل ولذلك يتكون اسم أوزيريس من جزأين: أوس-رع أي قوة رع أو ولادة رع من جديد.
المبدأ الذي يأتي بالحياة من الموت الظاهري يُسمى "أوسار" وأوسار هو مَن يرمز إلى قوة التجدد، يُمثل أوسار-رع عملية النمو والخاصية الدورية الكامنة للكون.
إن دورة الوجود الأبدية - دورة الحياة والموت – يًرمز إليها برع وأوسار (أوزيريس)، رع هو النترو الحي الذي ينحدر إلى الموت ليصبح أوسار نترو الموتى، ثم يصعد أوسار ليعود إلى الحياة من جديد كرع .
الخلق مستمر: تدفق للحياة يتطور في اتجاه الموت، ومن الموت يولد رع جديد وينبت حياة جديدة. رع هو المبدأ الكوني للطاقة التي تتحرك نحو الموت، وأوسار يمثل عملية إعادة الميلاد.
وهكذا يصبح مفهوما الحياة والموت متبادلين: الحياة تعني الموت البطيء؛ والموت يعني البعث لحياة جديدة. يماثل الميت في لحظة موته أوسار ولكنه يعود إلى الحياة ليماثل رع.
إن الدورة الأبدية لأوسار ورع مذكورة كثيرًا في النصوص المصرية القديمة مثل ما جاء في هذا النص من كتاب "الخروج بالنور" حيث يحكى أنه عاش كل من أوسار ورع وماتا ثم بُعثا، وكيف التقت في العالم السفلي روحا أوزير ورع واتحدتا لتشكلان كيان واحد وُصف ببلاغة رائعة:
"أنا روحاه في توأمه."
في الفصل السابع عشر من كتاب "الخروج بالنور" يقول المتوفى الذي يمثل أوسار:
"أنا الأمس، وأنا أعرف الغد."
وفي مقبرة الملكة نفرتاري (زوجة رمسيس الثاني) يوجد تمثيل معروف للنترو الشمسي الميت على هيئة مومياء برأس كبش وعليها نقشًا على اليمين وعلى اليسار يقول:
"هذا هو رع الذي يرقد في أوزيريس
هذا هو أوزيريس الذي يرقد في رع."
1ج. أوزيريس وإيزيس
تمثل إيزيس المبدأ الأنثوي في الكون ويمثل زوجها أوزيريس المبدأ الذكوري.
إن أهم خصائص إيزيس وأوزيريس (وليس كلها) وصفها ديودور الصقلي Diodorus of Sicily بأسلوب رائع في كتابه الأول في الفصل 11 في الفقرتان 5-6:
"هذان الإلهان مسئولان عن الكون بأكمله وعن تنظيمه ويمنحان التغذية والنمو لكل شيء..."
"علاوة على هذا فإن كل مادة فيزيائية ضرورية لتكوين كل شيء يُوفرها النترو إيزيس وأوزيريس اللذان يُرمز إليهما بالشمس والقمر..."
يمثل أوزيريس تجسيد/ضوء القمر عاكسًا نور إيزيس رمز الشمس.
1د. أوزيريس القمر - دورات الخصوبة
تصف النصوص المصرية أوزيريس بأنه القمر، ودورة القمر هي التجسيد الأمثل للطبيعة الدورية للكون كلية وجزئيًا. يكتمل القمر وينقص ثم يختفي لبضعة أيام ليعود ويظهر من جديد، وهذا يرمز للحياة والموت والبعث مرارًا وتكرارًا.
إن المبدأ الذي يجعل الحياة تعود من الموت الظاهري يسمى أوزيريس، وأوزيريس يرمز إلى قوة التجدد.
يمثل أوزيريس عمليات النمو والجانب الدوري الكامن للكون، فارتبط كذلك بأرواح/طاقات الحبوب والأشجار والحيوانات والزواحف والطيور وغيرهم.
إن أبدع تجسيد لمفهوم التجدد أو لأوزيريس هو الرسم التوضيحي الذي يصور "بعث القمح" حيث تنبت 28 سنبلة قمح من نعشه.
إن دورة 28 يوم (7×4) هي أيضًا دورة الحيض عند النساء والتي تعتمد عليها حياة الإنسان.
من المثير للاهتمام أيضًا أن نلاحظ أن فترة حياة أوزيريس (أو حكمه) وفقًا لنموذج القصة المصرية الرمزية دامت 28 عامًا (7×4).
1هـ. أوزيريس: العمود الفقري للخلق
إن عمود تِت djed هو ركيزة الخلق ويعتبر الرمز المقدس الخاص بأوزيريس.
يمثل عمود تِت جذع شجرة أرز مقطوع ليرمز إلى إمكانية تجدد الحياة.
ويُصوَّر هنا جسد أوزيريس محاطًا بشجرة أرز.
بما أن عمود تِت يمثل تجدد الحياة فإنه يظهر (بجوار رمز إيزيس) بشكل شبه دائم في جميع المقابر ومعظم المعابد (إن لم يكن جميعها) بالإضافة إلى البرديات والحلي.
كان رمز إيزيس يُسمى ثيت وهو اسم قريب جدًا من تِت رمز أوزيريس.
يُصوَّر رمز ثيت الخاص بإيزيس على شكل عقدة تبدو وكأنها أعضاء تناسلية أنثوية مُنمَّقة، وترمز إلى تأثير دمها وقوتها وكلماتها النافذة.
يمثل تِت عظم العجز لأوزيريس، أي الجزء من الظهر القريب من القناة المنوية لأنه يرمز إلى نسل أوزيريس، لذا كان من الطبيعي تصوير الأعضاء التناسلية لإيزيس كرمز موازي إذ يرمزان معًا إلى القدرة الإنجابية للرجل والمرأة.
١. و. أوزيريس الماء - عناصر الخلق الأربعة
إن عناصر الخلق الأربعة هي العناصر الأربعة الضرورية لصنع لمادة.
يمثل أوزيريس الماء كعنصر مُخصب، يُخصب تربة الأرض الأم - إيزيس - ليُخرج كل المخلوقات، ويُمثل أوزيريس بكونه يرمز للماء أهم دورة في الخلق: دورة الماء.
استخدم المصريون القدماء الظواهر الأربعة: النار والهواء والأرض والماء لوصف الأدوار الوظيفية الضرورية لتكوين المادة.
ذكرت عناصر العالم الأربعة: الماء والنار والأرض والهواء في كتاب بلوتارخ Plutarch "الأخلاق" في المجلد الخامس كما يلي:
"أطلق المصريون اسم أوزيريس على المصدر وكذلك على قدرة الرطوبة على الخلق مؤمنين بأنها سبب التكاثر وهي المادة التي تُنبت الحياة من البذرة؛ ويُطلقون اسم ست (تيفون) على كل ما هو جاف وناري وقاحل ومُناقض للرطوبة بشكل عام."
وكما يعتبر المصريون النيل هو فيض من أوزيريس فإنهم يعتقدون أن الأرض هي جسد إيزيس، ليس كل الأرض بل الجزء الذي يُغطيه النيل فيُخصبه ويتحد به، ومن هذا الاتحاد يولد حورس الحامي والمُحافظ والمُغذي والمُلطف الموسمي للهواء المُحيط. أما تخطيط ست (تيفون) الخبيث للاستيلاء على السلطة فهو قوة الجفاف التي تُسيطر وتُبدد الرطوبة مصدر النيل وفيضانه".
هنا نرى كيف يُمثّل أوزيريس دورة الماء: تبخّر النار/الحرارة الماء الذي يتكثّف مجدداً ويسقط كماء على سطح الأرض.
يرمز أوزيريس إلى الفيضانات ودورات نمو النباتات والدورات الزراعية، ويُعرف في النصوص المصرية بـ"محصولنا" و"حصادنا".
٢. أبونا الذي في السماء
أ. الإله في صورة بشرية
ب. أوزيريس روح السلف
ج. أوزيريس الثور أبيس Apis المُضحّى به
٢أ. الإله في صورة بشرية
طبقًا للفلسفة المصرية على الرغم من أن كل الخليقة في الأصل روح يُولد الإنسان فانياً وبداخله بذرة الإله، وغايته في هذه الحياة هي رعاية هذه البذرة، ويكافأ إذا نجح بالحياة الأبدية حيث يلتقي بأصله الإلهي.
ولتحقيق الاتحاد مع الأصل الإلهي اتبع المصريون القدماء نموذج أوزيريس الرمزي.
وفقًا للتقاليد المصرية القديمة نزل أوزيريس إلى الأرض لنفع البشرية حاملًا لقب مُجلب الخير والحق.
وبحسب الرواية المصرية ورغم موته الرمزي حمل أوزيريس في داخله بذرة الخلود "حورس"، ويُمثل أوزيريس الإنسان الفاني الذي حمل بداخله القوة والقدرة على الخلاص الروحي، وكان يُنظر إلى جميع الموتى على أنهم أوزيريس لأنه مبدأ كوني وليس شخصية تاريخية.
وأكرر هذه الحقيقة: جميع الموتى - ذكورًا وإناثًا أغنياء وفقراء أُطلق عليهم اسم أوزيريس في جميع النصوص الجنائزية عبر جميع العصور، وكان أمل كل مصري - ولا يزال - هو البعث في جسد مُتجدد والخلود الذي يتحقق فقط بموت أوزيريس وبعثه.
2ب. أوزيريس روح السلف
الأسلاف هم مَن عاشوا على الأرض ثم عادوا إلى السماء، وأوزيريس هو نموذج السلف، لقد عاش (مجازيًا) على الأرض ثم عاد إلى السماء.
امتد مفهوم أوزيريس الجد الأكبر ليشمل نسيج المجتمع المصري القديم والمجتمع البلدي وحياته الاجتماعية والوجودية، ومنذ البداية وحتى النهاية تحولت سلسلة طويلة من أفعال السلف إلى أعراف وقوانين، وكان واجبًا على كل مصري-ولا يزال- أن يكِّرم أسلافه بالأفعال المسؤولة والأعمال الصالحة.
كان لابد من مقارنة كل أفعالهم: كل فعل، كل حركة، وكل قرار استنادًا لمَن سبقوهم من السلف، لحفظ مبادئهم وتفسير أفعالهم وأقوالهم.
إن نسيج المجتمع المصري القديم والبلدي بأكمله منذ البداية لم يكن سوى سلسلة طويلة من الأفعال المتوارثة، كل وصلة فيه وكل جزء صغير تحوَّل إلى أعراف وقوانين من الأسلاف الروحانيين لتطبق على أنفسهم وعلى حياتهم.
أكد أفلاطون وغيره من الكُتّاب على التزام المصريين التام بتقاليدهم.
لم يتغير هذا منذ ذلك الحين، وكل مسافر إلى مصر عبر التاريخ أكد على ولاء المصريين لهذا النهج المحافظ.
لقد تعلم كل مصري- ولا يزال يتعلم- احترام أسلافه لأنهم سيقومون بمحاسبته كما يُرمز في قصة أوزوريس الجد الأكبر الذي يترأس إجراءات يوم البعث بصفته قاضي الموتى.
يُصوَّر أوزوريس دائمًا تحت سقف مقبب.
يرمز شكل القبة إلى الذهب وهو الغاية القصوى للمسار الروحي.
ومثل أوزوريس يُدفن الأسلاف ذوو القوى الروحية الخاصة كالأولياء تحت مبنى صغير له قبة.
هذه المباني ذات القباب منتشرة في أرجاء مصر.
للمزيد حول هذا الموضوع يُرجى الاطلاع على كتاب "المتصوفون المصريون: الباحثون عن الطريق" لمصطفى جاد الله.
٢ج. أوزيريس الثور أبيس المُضحّى به
(تجدون صورًا داعمة لهذا القسم الفرعي في قسم أبيس في الصور.)
التضحية بحياة شخص ما لإنقاذ آخر، لقد جاء أوزيريس إلى الأرض لنفع البشرية، ثم ضُحِّي به ليصبح ربّ القضاء في العالم الآخر، يرمز أوزيريس لتجدد الحياة، لابدّ للمرء أن يموت -مجازيًا- ليولد من جديد.
ونجد مفهومًا مشابهًا في الديانة الإبراهيمية حين ضحّى إبراهيم بكبشٍ لإنقاذ حياة ابنه.
يُعدّ التضحية بالثور من أهمّ الطقوس في الاحتفاليات المصرية السنوية منذ القدم، فهذا الطقس يُمثّل تجديد القوى الكونية من خلال موت نترو الثور وبعثه.
لقد ربط المصريون أبيس حيًّا أو ميتًا بأوزيريس، أبيس هو ابن أوزيريس وصورة أوزيريس الحيّة.
بعد موت جسد الثور صعدت روحه إلى السماء حيث اتحدت مع ذاتها في أوزيريس وشكلت معه النترو المزدوج أسار-هيبي، أو أوزيريس-أبيس، ويُعتبر الثور تجسيدًا لأوزيريس.
يؤكد كتّاب العصور القديمة أن الثور أبيس كان يُضحّى به لأوزيريس منذ عهد مينا قبل 5000 عام.
في التقاليد المصرية القديمة كان يُضحّى بالنبيذ بدلًا من دم أوزيريس.
كان المصريون يلتزمون بتناول لحم الثور المُضحّى به وشرب النبيذ أثناء الاحتفالات لنيل البركة الإلهية.
إن تقديم النبيذ كقربان عن دم أوزيريس يُصوّر في جميع المقابر المصرية تقريبًا، تُظهر جدران المقابر المصرية القديمة صانعي النبيذ وهم يعصرون الكروم، وتُعدّ صناعة النبيذ رمزًا دائمًا للتطور الروحي وموضوعات الارتقاء والقوة الداخلية، وتُعدّ مراحل صناعة النبيذ من زراعة الكروم وحصاده وعصره وتخميره تعبيرات رمزية عن مراحل الارتقاء الروحي.
فالروح أو الجزء من الإله الكامن فيها يُحدث تخميرًا مقدسًا في الجسد الدنيوي، ويتطور هناك كما تتطور النبتة، بفعل شمس الذات الروحية للإنسان، وكانت فاعلية النبيذ المُخمّر في أعمق مستوياته الروحية رمزًا لحضور الإله مُتجسّدًا في الإنسان الواعي روحيًا.
ويُصوّر صاحب القبر وهو يشرب النبيذ/دم أوزيريس المُضحّى به.
وفي كتاب الموتى يُخاطَب أوزيريس بـ"ثور أمنت Amentet أي ثور العالم الآخر.
في مصر القديمة كان للنترو الأم إيزيس ابنٌ يُضحّى به سنويًا على هيئة ثور لضمان استمرارية دورة الفصول ودورة الطبيعة.
ووفقًا للممارسات الحالية أكد الكتّاب القدماء أن الأم هي التي تُختار إنجاب عجلٍ بصفاتٍ محددة، فهو ثور أمه.
يقول هيرودوت واصفًا إياه:
"أبيس، ويُسمى أيضًا إيبافوس Epaphus هو ثورٌ صغير لا تنجب أمه غيره، ويُروى أن المصريين القدماء كانوا يولِّدونه من صاعقةٍ تُرسل من السماء فيُنْجَب الثور الإلهي أبيس".
تُعتبر الدلالات الدينية لهذه التضحية مماثلة لتضحية في الكتاب المقدس حيث ذكر موت المسيح لإنقاذ البشرية، ويعتبر هذا في جوهره دراما دينية كما في القداس الكاثوليكي حيث يُعبد إله ويُضحّى به.
يشرح ديودوروس Diodorus في الكتاب الأول قوى التجديد التي يتمتع بها الثور المُضحّى به:
"يُفسّر البعض أصول تكريم الثور على النحو التالي: عند موت أوزيريس انتقلت روحه إلى هذا الحيوان ولذلك - وحتى يومنا هذا – تنتقل روحه دائمًا إلى خلفائه وفي أوقات تجليه."
يمثل أوزيريس عملية النمو والتطور والخاصية الدورية الكامنة للكون، وهو المبدأ الذي يجعل الحياة تنبثق من الموت الظاهري.
يمثل أوزيريس مبدأ التجدد في الكون، لذا كان لا بد أن يموت الثور كضحية في مصر القديمة لضمان استمرارية الحياة في المجتمع، والتضحية بهذا الحيوان المقدس وأكل لحمه كانت تجلب حالة من النعيم.
أحيانًا تُصوّر على ألواح صغيرة في المقابر المصرية القديمة ثور أسود يحمل جثة رجل إلى مثواه الأخير في عالم الأموات، ويُذكر أن اسم هذا الثور هو أبيس لأن أوزيريس يمثل حالة الموت في الجميع وفي كل شيء: الجانب الإلهي في الهيئة الفانية.
في جميع أنحاء مصر وعبر العصور كانت تُصوّر الثيران في المقابر والمعابد لتُضحّى بها في الاحتفاليات لتجديد الحياة وتنشيطها.
3. أوزيريس والقيامة المصرية
أ. كما الأب كذلك الابن
ب. الطريق إلى الأب
ج. المجد
٣أ. أوزيريس وحورس - كما الأب كذلك الابن
في الأسطورة المصرية استطاعت إيزيس زوجة أوزيريس أن تحمل بحورس دون أن يُخصبها أوزيريس، وكانت هذه أول حالة موثقة للحمل التقي في التاريخ.
كان المصريون ينظرون إلى أوزيريس وحورس ككيان واحد في صورتين مكملتين لبعضهما.
كذلك في تعاليم الكتاب المقدس يُشار إلى المسيح أحيانًا بـ"ابن الله" وأحيانًا أخرى يُشار إليه ببساطة بـ"الله".
في إنجيل يوحنا يقول المسيح: "أنا والآب واحد".
آمن المصريون القدماء بمفهوم الألوهية المتجسدة أو حورس (المسيح) الذي كانت حياته في الدنيا والآخرة نموذجًا للحياة المثالية للإنسان، وقد تمثل التجسيد الرئيسي للألوهية في أوزيريس وابنه حورس (المسيح).
لم يُنظر إلى أوزيريس أو حورس على أنهما شخصيتان تاريخيتان.
بل يمثل أوزيريس الإنسان الفاني الذي يحمل في داخله القدرة على الخلاص الروحي.
كما يرمز أوزيريس إلى اللاوعي - القدرة على الفعل والعمل، بينما يرمز حورس إلى الوعي والإرادة وإمكانية الفعل والعمل.
3ب. الطريق إلى الآب
لخص عالم المصريات البريطاني، السير إي. أ. واليس بادج Sir E.A. Wallis Budge هذا في الصفحة السابعة من كتابه "أوزيريس والقيامة المصرية" في المجلد الأول على النحو التالي:
"كان أوزيريس الشخصية المحورية في الديانة المصرية القديمة، وكانت الأسس الرئيسية لأتباعه هي الإيمان بألوهيته وموته وبعثه وسيطرته المطلقة على مصائر أجساد وأرواح البشر. كان الموضوع الجوهري في كل ممارسة دينية أوزيريسية هي الأمل في البعث بجسد مُتحوّل والخلود وهو ما لا يتحقق إلا بموت أوزيريس وبعثه."
منذ أقدم العصور في تاريخ مصر القديمة آمن المصريون أن أوزيريس ذو أصل إلهي: نصفه إلهي ونصفه بشري، وقد قام برفع نفسه من بين الأموات دون رؤية الفساد.
إن قدرة أوزيريس في التأثير على نفسه مكنته من أن يؤثر بالمثل على البشر، وقد اتخذ المصريون القدماء منه قدوةً لهم وظنوا أنهم قادرون على فعل ما فعله أوزيريس، ولأنه انتصر على الموت فإن الصالحين أيضًا قادرون على الانتصار عليه ونيل الحياة الأبدية بأن يقوموا من بين الأموات وينالون الحياة الأبدية.
يذكر "كتاب الكهوف" المصري ضرورة الموت والفناء (الجسدي والمادي) قبل الولادة الروحانية، وهذا يماثل قول يسوع المسيح:
"حين تقع حبة الحنطة في الأرض تموت وتبقى وحدها: إن ماتت فهي تأتي بثمر كثير" [يوحنا ١٢: ٢٤].
ويشير بولس أيضًا إلى المبدأ نفسه في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس Corinthians (١٥: ٣٦):
"ما تزرعه لا يتسارع إلا لأن يموت."
ومثال آخر هو رمزية النبيذ في الكتاب المقدس والتي يمكن تتبعها إلى مصر القديمة فجدران المقابر المصرية القديمة تُظهر صناع النبيذ وصناعة النبيذ التي تنتشر في كل مكان كتمثيل مجازي لاستمرارية عمليات التطور الروحاني والارتقاء والقوى الداخلية.
في بعض المواضع في الكتابات المصرية القديمة وُصِف أوزوريس نفسه بالكرمة.
الروح أو الجزء الإلهي الكامن فيها هي التي تُحدث التخمير الإلهي في الجسد الدنيوي، وتتطور هناك كما في الكرمة بفعل شمس الذات الروحية في الإنسان. وكانت قوة النبيذ المخمرة في أعمق مستوياتها الروحية رمزًا للحضور الإلهي المتجسد في الإنسان الواعي روحيًا.
ولكن مًن الذي يماثله ليُرشدنا إلى الله؟ الجواب هو ابنه حورس.
في يوم البعث يعمل حورس ابن إيزيس كوسيط بين الموتى والآب أوزوريس، كان جميع المصريين يتمنون- ولا يزالوا يتمنون- أن يُحييهم حورس الابن الإلهي كما هو مُصوَّر في المقابر المصرية.
كذلك في المسيحية كان الدافع المسيحي- وما زال- قائمًا على الحاجة إلى وسيط كابن إلهي كراعٍ ذو قدرة شاملة ومخلص ناشيء يعيش بين عامة الناس.
٣ج. المجد
في النصوص المصرية القديمة تنال الروح المتحققة المجد وتتحد مع الأصل مع الخالق، وبالمثل يخبرنا الكتاب المقدس أن يسوع لم ينل المجد إلا بعد موته وقيامته:
"الله الذي أقامه من الأموات وأعطاه المجد" (١ بطرس ١: ٢١)
المجد هو الجمال الباهر للروعة والجلال – النعيم أو نعيم السماء - الذي يُنال بأسمى مراتب الإنجاز. يُصوَّر المجد في الفن على هيئة هالة أو دائرة من النور، وفي مصر القديمة يُمثِّل الإله رع النور ويُصوَّر على هيئة دائرة.