الديانة الكونية المصرية
الإنسان والقوى الإلهية
الإنسان والقوى الإلهية
١. مكانة الإنسان في النظام الكوني
لقد ذكرنا أن الكون يتألف من نظام من الطاقات تتدرج حسب كثافاتها، وتستطيع حواسنا استشعار بعض أكثر الطاقات كثافة وهي المادة. هذا النظام مترابط ويستمد كل مستوى دعمه من المستوى الذي يليه، وهو في نفس الوقت جزء من شبكة شاسعة من قوانين الطبيعة المتشابكة: قوانين فيزيائية وميتافيزيقية في آن واحد.
الطاقات الأقل كثافة وأكثر سرعة هي طاقات غير مرئية وتُسمى "روح"، والروح/الطاقات تتدرج أيضًا وفقًا لكثافتها التي تحددها سرعة ذراتها. تسكن الطاقات الأسرع (غير المرئية) مناطق معينة أو ترتبط بظواهر طبيعية محددة، وتتواجد الروح/الطاقات في مجموعات لها طبيعة أسرية أي مترابطة ببعضها.
يعتقد المصريون القدماء والبلديون أن منظومة الطاقة الكونية تتكون من تسعة أبعاد متداخلة ومتفاعلة، تُسمى عادةً "سبع سماوات" (أبعاد ميتافيزيقية) وأرضين (بُعدين ماديين).
يُعرف العالمان البعدين الأرضيين باسم "الأرضين"، ويُمثل الرقم 8 عالمنا المادي/الأرضي. والعالم الأخير/التاسع يتواجد فيه نقيضنا المُكمِّل. (للحصول على معلومات أكثر تفصيلًا حول هذا الموضوع يُرجى قراءة كتاب "علم الكونيات المصري: الكون المُتحرك" لمصطفى جاد الله).
وفقًا للفلسفة المصرية أن كل الخليقة في الأصل روح، والإنسان يُولد فانياً ولكنه يحمل في داخله بذرة من روح الإله، ويكون هدفه في الحياة هو رعاية هذه البذرة؛ ومكافأته إذا نجح تكون الحياة الأبدية ولقاء أصله الإلهي. إن تغذية النباتات في التربة تماثل تغذية الروح على الأرض عن طريق فعل الخير.
يأتي الإنسان إلى العالم مزودًا بقدرات إلهية عليا وتكون جوهرية لخلاصه ولكنها تكون كامنة، لذا فإن منهج الديانة المصرية هو نظام من الممارسات يهدف إلى إحياء هذه القدرات. (للحصول على معلومات أكثر تفصيلًا حول هذا الموضوع يُرجى قراءة كتاب "علم الكونيات المصري: الكون المتحرك" لمصطفى جاد الله.
2. صورة الكون
جميع المدارس الفكرية اللاهوتية والفلسفية أقرت بأن الإنسان مخلوق من صورة الله - أي أنه كون مصغر - وأن فهم الكون يأتي من فهم الذات والعكس صحيح.
ومع ذلك لم تُطبِّق أي حضارة هذا المبدأ كما فعل المصريون القدماء، لقد جاء جوهر فهمهم الكامل للكون من إدراكهم بأن الإنسان هو تجسيد لقوانين الخلق. فنظروا إلى الوظائف والعمليات الفيسيولوجية لأجزاء الجسم المختلفة على أنها تجليات لوظائف كونية.
ويتضح من خلال النصوص والرموز المصرية القديمة إدراكهم بأن الإنسان (متكاملًا أو مجزئًا) هو صورة للكون (متكاملًا ومجزئًا).
إن الإنسان عند المصريين القدماء- بوصفه كونًا مصغرًا- يُمثل صورًا لجميع المخلوقات. ولأن رع - الدافع الكوني الخلاق - يُسمى "الواحد المتصل ببعضه، الصادر عن أجزائه" فإن الإنسان (صورة الخليقة) هو أيضًا كذلك. إن الجسم البشري وحدةٌ تتكون من أجزاء مختلفة متصلة ببعضها. وفي دعاء رع يُرمز لكل جزء من أجزاء جسم الإنسان المقدس بـ"نترو/نترت".
إذا كان الإنسان كونًا مصغرًا فإن كل ما يحدث له يحدث على نطاق أوسع في الكون، وكل الدوافع والقوى التي تؤثر على الإنسان تؤثر كذلك في الكون بأسره، بل أنه وفقًا للوعي الكوني عند المصريين القدماء كل فعل يقوم به الإنسان له أثر في النظام الكوني بما في ذلك العطس، الرمش بالعينين، البصق، الصراخ، البكاء، الرقص، اللعب، الأكل، الشرب، العلاقة الجنسية.
إن الإنسان في نظر المصريين القدماء يُعْتبر تجسيدًا لقوانين الخلق، لذلك اعتبروا وظائف الجسم والعمليات الفيسيولوجية المختلفة تجليات لوظائف كونية. بل أن للأطراف وأعضاء الجسم وظيفة ميتافيزيقية إضافة إلى وظيفتها الفيزيائية. وقد كُرِّست أجزاء الجسم لأحد النترو (المبادئ المقدسة) كما ورد في السجلات المصرية على مدار سجلات التاريخ. وفيما يلي أمثلة أخرى غير دعاء رع:
النصّ الذي وُجِدَ في حجرة التوابيت في مقبرة أوناس (أنقاض هرم) في سقارة يحدد النترو المقدس الذي يرتبط بكل من أجزاء الجسم: الرأس، الأنف، الأسنان، الذراعان، الساقان...إلخ):
"رأسك يمثلها رأس حورس
أنفك يمثلها أنوبيس
أسنانك يمثلها سوبدو Sopdu
ذراعاك يمثلها هابي ودوا موتف Happy and Dua-mutef
ساقاك يمثلها إميستي وكبه سنوف Imesty and Kebeh-senuf
وأعضائك يمثلها توأم آتام".
وفي بردية آني نجد الآتي:
"شعري هو نون؛ وجهي هو رع؛ عيناي هما حتحور؛ أذناي هما وبواويت Wepwawet وأنفي هي مَن تتصدر ورقة اللوتس الخاصة بها؛ شفتاي هما أنوبيس؛ ضروسي هم سلكت Selket؛ أسناني القاطعة هم إيزيس؛ ذراعي هما الكبش رب مدينة مندس Mendes؛ صدري هو نيث Neith؛ ظهري هو ست؛ قضيبِي هو أوزوريس؛ بطني وعمودي الفقري هما سخمت؛ أردافي هي عين حورس؛ بطني وساقي هم نوت؛ أردافي هي عين حورس؛ فخذي وساقاي هم نوت؛ قدمي هما بتاح؛ ليس في جسدي عضوٌ ليس له نترو، وتحوت لحماية جسدي ككل".
لا يدع النص أعلاه مجالاً للشك في قدسية كل عضو: "ليس في جسدي عضوٌ ليس له نترو".
إن الطريقة المنطقية الوحيدة لشرح أي شيء للبشر تكون بلغة البشر وبصيغة بشرية، لذا اختُزلت المعلومات العلمية والفلسفية المعقدة في مصر القديمة إلى أحداثٍ مصورة ومصطلحات بشرية.
٣. المحكمتان السماويتان
قسَّم المصريون القدماء النظام المتدرج الميتافيزيقي للأبعاد السماوية السبعة إلى فئتين رئيسيتين هما:
أ. في قمة النظام يوجد ثلاث مستويات لمحاكم أو مجالس سماوية وهي تماثل رؤساء الملائكة ورتب الملائكة الموجودة في نظم دينية أخرى، وهم لا يتدخلون في أنشطة البشر على الأرض.
ب. ثم حدد المصريون أربع مجموعات أدنى في النظام المتدرج مماثلة لتلك الموجودة في بعض الأنظمة المسيحية الشرقية وهم الأنبياء والرسل والشهداء والقديسين. عاش هؤلاء على الأرض لفترة من الزمن وبعد رحيلهم استمروا في التفاعل مع أنشطة البشر على الأرض.
تواجدت هذه المخلوقات في جميع فترات التاريخ المصري، بعضها من الذكور وبعضها من الإناث، وكان لها أشكال وهيئات متعددة فكان بإمكانها الظهور على الأرض في هيئة رجال أو نساء أو حيوانات أو طيور أو زواحف أو أشجار أو نباتات... الخ. كانوا أقوى وأذكى من البشر ولكن لديهم رغبات كالبشر، نُسبت إليهم بعض القوى أو الخصائص الإلهية ومع ذلك كانوا يُصابون بالأمراض ويموتون.
(للمزيد من المعلومات حول التفاعل بين الكائنات/الطاقات في الكون يُرجى مراجعة كتاب "علم الكونيات المصري: الكون المتحرك" لمصطفى جاد الله.)
4. المعاونون الثلاثة الأساسيون السماويون
هؤلاء يُوصفون خطأً بالآلهة الثانوية أو الآلهة المحلية...الخ، هم ليسوا نترو أو نترت، عاشت هذه المجموعة على الأرض في زمن ما وبعد رحيلهم عن الأرض استمروا في التدخل في أنشطة البشر وينقسمون إلى ثلاث مجموعات:
أ. الأقارب
ب. رعاة المجتمع (الأسلاف/ رعاة المنطقة محليًا أو إقليميًا)
توصف روح المتوفي من هذا النوع براعي المجتمع (إله محلي)، هؤلاء يغطون نطاقًا واسعًا لتلبية تطلعات أحفادهم في المجتمع.
يتصرفون أكثر سموًا من البشر ويتمتعون بقوة روحانية متطورة، وفي نفس الوقت لديهم رغبات واحتياجات مماثلة، والمدينة تعتبر بيتهم.
لهم أضرحة وممتلكات مقدسة وتماثيل، وقد يظهرون كحجارة أو أشجار أو حيوانات أو بشر.
ينبغي أن يتدرب راعي بلدة عظيمة وقوية على الرعاية السياسية أو الزراعية على الجزء الذي يخصه، وهذا يحدد نفوذه المتزايد على مساحة أوسع ليصبح راعيًا عظيمًا ذا نفوذ إقليمي أكبر.
تشير بعض الأضرحة إلى أنهم "رعاة" محليون، وسُمّي العديد منهم بأسماء المدن مثل: "هو من أمبوس"، "هو من إدفو"، "هي من باست"، وهم في الحقيقة مجرد جنيات المدن.
ج. الأولياء الشعبيون
الأولياء (القديسون الشعبيون) هم الأشخاص الذين نجحوا في سلك الطريق الروحي وبلغوا الاتحاد مع الله، هذا الاتحاد مكّنهم من القيام بأعمال خارقة للطبيعة والتأثير على أحداث مستقبلية والتنبؤ بها... الخ، فأصبحوا وسطاء بين البشر على الأرض والأبعاد السماوية الميتافيزيقية.
بعد وفاتهم في هذه الدنيا يُعتقد أن قوتهم الروحية/بركتهم تزداد وتستقر في أشخاص (وبالأخص أماكن) ارتبطوا بهم واختاروهم.
(يمكن الاطلاع على مزيد من المعلومات حول هؤلاء المساعدين السماويين والتفاعلات معهم في كتابي "علم الكونيات المصري: الكون المتحرك" وكتاب "المتصوفون المصريون: الباحثون عن الطريق"؛ وكلاهما من تأليف مصطفى جاد الله.)