المستوطنات المصرية القديمة حول العالم

كانت مصر الدولة الأكثر نفوذاً وسكاناً وشهرةً في العالم القديم، كما أكد ديودوروس Diodorus في كتابه الأول الذي ذكر فيه:

"لقد فاقت الكثافة السكانية في مصر قديماً جميع المناطق المأهول المعروفة في العالم، وحتى اليوم يُعتقد أنها لم تُضاهى. يُقال إن إجمالي عدد السكان كان حوالي سبعة ملايين نسمة، ولم يتعدّل هذا العدد حتى اليوم".

أكد هيرودوت Herodotus وجود 20,000 مدينة مكتظة بالسكان في مصر خلال عهد أحمس Amasis. وذكر ديودوروس أن هناك 18,000 قرية وبلدة كبيرة، وأشار إلى أنه في عهد بطليموس لاغوس Ptolemy Lagus، بلغ عدد السكان أكثر من 30,000 نسمة طبقًا لتقدير جوسيفوس Josephus بتقدير هذا العدد. خلال عهد فسباسيان Vespasian، بلغ عدد سكان مصر القديمة 7.5 مليون نسمة في وادي النيل، بالإضافة إلى سكان الإسكندرية الذين بلغ عددهم حوالي 800 ألف نسمة.

ظاهريًا، بدت مصر القديمة معزولة ومنفصلة عن بقية العالم بالصحاري التي تحيط بوادي النيل الضيق، ولكن المصريون كانوا على اتصال دائم بالبلدان الأخرى، فقد ذكر كتّاب كلاسيكيون مثل بلوتارخ Plutarch وهيرودوت وديودوروس كيف أن مصر القديمة كانت تمتلك مستوطنات مسالمة في أنحاء متفرقة من العالم. يقول ديودوروس الصقلي، في الكتاب الأول:

"ذكر المصريون عامة أن أسلافهم أرسلوا مستوطنات عديدة إلى أجزاء كثيرة من العالم المأهول حيث كان ملوكهم السابقين عظماء وبسبب كثرة عددهم".

ويذكر ديودوروس في الكتاب الأول بعض المستوطنات المصرية المسالمة التي تم إبلاغه بها في آسيا وأوروبا:

"انتشرت مستوطنات عديدة من مصر في أرجاء العالم المأهول ففي بابل على سبيل المثال قاد بيلوس Belus المستوطنات، وهو يُعتقد أنه ابن بوسيدون Poseidon من ليبيا. ويُقال أيضًا أن الذين انطلقوا مع دانوس Danaus من مصر استقروا في أرغوس Argos التي تُعد أقدم مدينة في اليونان، وأن أمة الكولخيين Colchi في بونتوس Pontus وأمة اليهود الواقعة بين الجزيرة العربية وسوريا تأسستا كمستوطنات على يد مهاجرين من بلادهم".

لعب المستوطنون المصريون في آسيا وأوروبا بحكم مكانتهم دورًا محوريًا في بلدان مستوطناتهم الجديدة، ويناقش ديودوروس في كتابه الأول دور المستوطنين المصريين البارز كحكام:

"علاوة على ذلك يُقال إن بعض حكام أثينا كانت أصولهم مصرية. على سبيل المثال، كان بيتوس Petes (المذكور في الإلياذة) والد مينستيوس Menestheus الذي شارك في الحملة على طروادة Troy مصريًا وحصل لاحقًا على الجنسية الأثينية والمُلك".

ويذكر ديودوروس أيضًا:

"وكذلك إريختيوس Erechtheus المصري الأصل أصبح ملكًا على أثينا، حين قام بفضل صلته العرقية المصرية بجلب كميات كبيرة من الحبوب إلى أثينا نُصبه المستفيدون من ذلك ملكًا. وبعد أن استقر على العرش أسس طقوس ديميتر Demeter في إليوسيس Eleusis، ونقل من مصر طقوسها السرية، فقدم الأثينيون قرابينهم وأقاموا احتفالاتهم القديمة بنفس طريقة المصريين.

كان الكهنة المصريون مسئولون عن أهم الطقوس الدينية في أتيكا Attica فكانوا يحملون محامل صغيرة للنطرون في المواكب. واليونانيون هم الوحيدون الذين كانوا يقسمون بإيزيس ويشبهون المصريين في مظهرهم وعاداتهم."

ذكر هيرودوت (500 عام قبل الميلاد) أنه جاء من بلدة هاليكارناسوس Halicarnassus من مدينة دوريان Dorian ، وقد أقر بوضوح الصلة بين أهل المدينة ومصر في كتابه "التواريخ"، الجزء السادس كالآتي:

"لو تتبعنا نسب دانا Danaë ابنة أكريسيوس Acrisius زعيم مدينة دوريان جيلاً بعد جيل لوجدنا أنهما مصريين أصيليين. لقد كُتب ما يكفى في هذا الشأن وشرح البعض كيف أصبحوا ملوكًا على الدوريين رغم كونهم مصريين بسبب إنجازاتهم. سأسجل هنا أمورًا لم يلتقطها الآخرون".

ذكر هيرودوت في الفقرة السابقة أن هذه الحقيقة كانت معروفة على نطاق واسع في عصره (500 قبل الميلاد) ولم تكن بحاجة إلى توضيح. وقد أشار هيرودوت مرارًا إلى صلات أخرى بين الدوريين والمصريين في كتابه "التواريخ"، الجزء الثاني.

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن السجلات المصرية القديمة (وكذلك السجلات في مناطق أخرى) تحتوي على أسماء لا حصر لها لأماكن في العالم لا يُتعرف عليها في عصرنا الحالي، فأسماء الأماكن والجماعات العرقية والدول تتغير باستمرار. وعلى سبيل المثال فإن أسماء الدول الأوروبية قبل مئة عام فقط ليست مألوفة لمعظم الأوروبيين اليوم، وفي نهاية المطاف بعد بضعة قرون حينما تختفي هذه السجلات لن يتم التعرف على أسماء تلك الدول على الإطلاق.

في مواقع عديدة حول العالم نجد إشارات لشعوب ذات بشرة سمراء أو داكنة ساهمت في نشر الثقافة والتنوير في مناطق مختلفة من العالم، ويُوصَفون بما يلي:

  1. من أصول وخصائص شرقية.
  2. شعوب مسالمة استقرت بسلام بين السكان المحليين.
  3. متقدمون جدًا في علم المعادن وصنعوا كميات كبيرة من المنتجات المعدنية.
  4. يتمتعون بتنظيم عالٍ ومهارات إدارية متميزة.
  5. متقدمون جدًا في التعامل مع المناطق الجافة وفي الزراعة والري، وغيرها.
  6. بناة وحرفيون ذوو خبرة شيدوا بنايات ضخمة وغيرها.
  7. شعوب متدينة اعتنقت معتقدات روحانية.

الأوصاف السابقة لا تنطبق إلا على دولة واحدة هي مصر. فإذا جمعنا بين التقاليد الشفهية والتاريخ العرقي، والأدلة الأثرية (التي تحدد تاريخ المستوطنات الرئيسية والمقابر وأنشطة التعدين وغيرها) لجميع شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط يتضح أن الوافدين الجدد المتحضرين لم يأتوا إلا من وادي النيل. حدثت الهجرة من مصر في مراحل ارتبطت بأحداث شهدتها البلاد، فغادر البعض في أوقات الرخاء لإنماء العلاقات التجارية، والغالبية غادروا في أوقات عصيبة.

Ancient Egyptian Culture Revealed Book Cover
Egyptian Romany Book Cover

بحث وكتابة: مصطفى جاد الله